منتدى الرسمي للشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي
ترحب بكم ادارة منتدى الشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي



حللت أهلاً .. ووطئت سهلاً ..
أهلاً بك بين اخوانك واخواتك
آملين أن تلقى المتعة والفائدة معنا
.:: حيـاك الله ::.

نتمنى أن نراك بيننا للتسجيل أنقر هنا
منتدى الرسمي للشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي

منتدى عام مستقل لاتقصرو بتسجيل هدفنا جمع اكبر عدد من المثقفين لتحريرالعالم من الجهل.
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق وحوزة ائمة البقيع عليهم السلام تنعى اية الله الشيخ عبد الهادي الفضلي
الأربعاء أبريل 10, 2013 1:44 am من طرف وكيل الشيخ

» بيان مركز موالي الحوزة العلمية بحلوم محرم الحسين والصلاه والسلام على أشرف الخلق والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى أله الطيبين الطاهرين عظم الله لكم الأجر بحلول محرم الحسين عليه السلام
الخميس نوفمبر 22, 2012 5:02 am من طرف وكيل الشيخ

» أكبر مكتبة برامج إسلامية وشيعية للجوال في تاريخ المنتديات العربية
الأحد أغسطس 26, 2012 11:37 pm من طرف وكيل الشيخ

» بيان مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق زكاة الفطرة
الأحد أغسطس 19, 2012 2:32 am من طرف وكيل الشيخ

» بيان مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق بحلول شهر رمضان المبارك
الأربعاء يوليو 18, 2012 7:04 pm من طرف وكيل الشيخ

» مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق تنعى سماحة الشيخ باقر شريف القرشي (ر ض)
الإثنين يونيو 18, 2012 1:42 am من طرف وكيل الشيخ

» مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق تشجب تندد تستنكر العمليات الارهابية في العراق
الخميس يونيو 14, 2012 1:53 am من طرف وكيل الشيخ

» بيان صادر من مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق(سحب الثقة عن الشعب العراقي)
السبت يونيو 09, 2012 3:24 am من طرف وكيل الشيخ

» ور الأنوار2: يحتوي على نص القرآن بخط عثمان طه، وترتيل كامل القرآن بصوت برهيزكار والمنشاوي، وعلى معجم لألفاظ القرآن مع التشكيل وامكانية البحث، وعدد من التفاسير العربية (كتفسير القمي والعياشي والميزان وشبر) وعلى بعض التفاسير الفارسية. إضافة إلى ترجمة للقرآن
الثلاثاء مايو 22, 2012 1:48 am من طرف وكيل الشيخ

نوفمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   
اليوميةاليومية
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




شاطر | 
 

 حواري الرسول والامير عمار بن ياسر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
وكيل الشيخ
Admin


المساهمات : 117
تاريخ التسجيل : 04/10/2011

مُساهمةموضوع: حواري الرسول والامير عمار بن ياسر   الأربعاء أكتوبر 05, 2011 12:56 am

عمار بن ياسر
بسم الله الرحمن الرحيم
*(إن الله مع الذين إتقوا * والذين هم محسنون)*( النحل: 128)
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة (سير أعلام النبلاء: ح 1 ص 409) ويح بن سمية تقتله الفئة الباغية (المستدرك للحاكم النيسابوري: ج 3 ص 3883)
وهو احد خريجوا مدرسة الرسول الأعظم وأمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين عمّار بن ياسر بن عامر المَذْحِجىُّ ، أبو اليقظان ، واُمّه سميّة ، وهى أوّل من استشهد فى سبيل الله . من السابقين إلي الإيمان والهجرة ، ومن الثابتين الراسخين فى العقيدة ; فقد تحمّل تعذيب المشركين مع أبوَيه منذ الأيّام الاُولي لبزوغ شمس الإسلام ، ولم يداخله ريب فى طريق الحقّ لحظة واحدة(الطبقات الكبري : ٣ / ٢٤٦ وص ٢٤٩ ، أنساب الأشراف : ١ / ١٨٠ ـ ١٨٢ ، تهذيب الكمال : ٢١/٢١٦/٤١٧٤، اُسد الغابة: ٤/١٢٢/٣٨٠٤ ، سير أعلام النبلاء : ١/٤٠٦/٨٤ ; الجمل : ١٠٢/١) .
شهد له رسول الله ½ بأنّه يزول مع الحقّ ، وأنّه الطيّب المطيَّب وأنّه مُلئ إيماناً . وأكّد أنّ النار لا تمسّه أبداً . وهو ممّن حرس ـ بعد رسول الله ½ ـ "خلافة الحقّ" و"حقّ الخلافة" ، ولم يَنكُب عن الصراط المستقيم قطّ(الخصال : ٤٦٤ / ٤ وص ٦٠٧ / ٩ ، عيون أخبار الرضا : ٢ / ١٢٦ / ١ ، الاحتجاج : ١ / ١٩٥ / ٦ ، رجال البرقى : ٦٥) ، وصلّي مع أمير المؤمنين ¼ علي جنازة السيّدة المطهّرة فاطمة الزهراء (ع) (الخصال : ٣٦١ / ٥٠ ، رجال الكشّى : ١ / ٣٤ / ١٣ ، الاختصاص : ٥ ، تفسير فرات : ٥٧٠ / ٧٣٣) ، وظلّ ملازماً للإمام صلوات الله عليه .
ولى الكوفة مدّةً فى عهد عمر(المستدرك علي الصحيحين : ٣ / ٤٣٨ / ٥٦٦٣ ، الطبقات الكبري : ٣ / ٢٥٥ ، أنساب الأشراف : ١ / ١٨٥ ، تاريخ الطبرى : ٤ / ١٣٩ وص ١٤٤ ، سير أعلام النبلاء : ١ / ٤٢٣ / ٨٤) . وكان قائداً للجيوش فى فتح بعض الأقاليم(تاريخ الطبرى : ٤ / ٤١ وص ٩٠ و١٣٨) . ولمّا حكم عثمان كان من المعارضين له بجدٍّ(الطبقات الكبري : ٣ / ٢٦٠ ، أنساب الأشراف : ١ / ١٩٧ وج ٦ / ١٦٢ ، تاريخ دمشق : ٤٣ / ٤٧٣ ، المعارف لابن قتيبة : ٢٥٧) . وانتقد سيرته مراراً ، حتي همّ بنفيه إلي الربذة لولا تدخّل الإمام أمير المؤمنين ¼ ، إذ حال دون تحقيق هدفه(أنساب الأشراف : ٦ / ١٦٩ ، الفتوح : ٢ / ٣٧٨ ; تاريخ اليعقوبى : ٢ / ١٧٣) .
ضُرب بأمر عثمان لصراحته ، وفعل به ذلك أيضاً عثمان نفسه ، وظلّ يعانى من آثار ذلك الضرب إلي آخر عمره(أنساب الأشراف : ٦ / ١٦١ ـ ١٦٣ ، الفتوح : ٢ / ٣٧٣) .
وكان لاشتراكه الفعّال فى حرب الجمل ، وتصدّيه لقيادة الخيّالة فى جيش الإمام ¼ مظهر عظيم . كما تولّي فى صفّين قيادة رجّالة الكوفة والقرّاء(وقعة صفّين : ٢٠٨ ; تاريخ الطبرى : ٥ / ١١ وص ١٥) . تحدّث مع عمرو بن العاص وأمثاله من مناوئى الإمام ¼ فى غير موطن ، وكشف الحقّ بمنطقه البليغ واستدلالاته الرصينة(وقعة صفّين : ٣١٩ و٣٢٠ وص ٣٣٦ ـ ٣٣٩ ; تاريخ الطبرى : ٥ / ٣٩) .














نسبه وإسلامه
كانت مكة مهجرا تترى إليه الوفود اليمانية منذ أن تفرقوا أيدي سبأ. قدم مكة ياسر بن عمار العربي العنسي المذحجي القحطاني من اليمن مع أخويه مالك، والحارث، يبحثون عن أخ رابع لهم، كان القدر قذف به إلى عالم مجهول. فلما يئس الإخوان الثلاثة من العثور على مفقودهم في مكة، رحل عنها مالك والحارث واستقر فيها ياسر حليفا لمضيفه أبي حذيفة سيد مخزوم يحفظه هذا، وهو يحفظ له يده عنده، وكان زعيم مخزوم سمحا كريما حافظا للمعروف والعهد، وكان حدبا على حليفه العنسي (ياسر) خاصة، كما كان (ياسر) وفيا لحليفه مخلصا في سلوكه وذاته صادقا في قوله، عفيفا في بطنه وفرجه، عاقلا في تصرفه. ومن أجل هذا أحبه مضيفه أبو حذيفة وحالفه،فأصبح بذلك مخزوميا له ما للمخزوميين وعليه ما عليهم. وذات يوم فكر أبو حذيفة بحليفه العنسي (ياسر) فرآه مستقيما في كل أموره وتصرفاته، لا تطيف به النزوات، ورأى أنه لا بد له من زوجة يسكن إليها ويستقر عندها، ورأى أن الحياء وقلة ذات اليد يمنعانه مما يصبوا إليه من زوجة تدير له منزله، وتكشف عنه وحشة الوحدة، وتهبه الأولاد، لذلك قرر أن يزوجه أحب إمائه إليه وأحظاهن عنده، وكانت من أكرم الإماء في ذاتها وطهارتها سمية بنت خياط فزوجه إياها. ثم كان من بره بحليفه وتقديره لمشاعره الحرة، تحرير أبنائه من (سمية) فرفع عنها العبودية بأريحيته، وجعلها حرة. فبلغ بذلك ما كان في نفس ياسر، فكانت أفضل هدية عند (ياسر) هي حرية ما في بطن سميه من مولود، وقد كان ذلك المولود كنزا وأي كنز. ولد (عمار بن ياسر) في حي بني مخزوم من مكة سنة 570 ميلادية (المستدرك للحاكم النيسابوري ج 3 ص 38، سير أعلام النبلاء ج 1 ص 407) عام الفيل أو نحوها، فقد كان تربا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يقول هو. أما أمه (سميه بنت خياط) فلم يكن في إماء قريش مثلها في ذكاء القلب وصحة العقل، وملاحة الوجه، وعفة النفس، وطهارة الذيل. كان (عمار بن ياسر) أسمر اللون كأنما عجنت طينته بالمسك الأذفر، مديد القامة، بعيدا ما بين المنكبين، مهيبا أشهلا أصلعا، كما قال عنه معاصروه، وكان طويل الصمت، سديد الرأي، لا يخدع عن الصواب، راجح العقل، زكي النفس، سخي اليد، هبابا للحق جريئا. درج الصبي (عمار) في ربوع مكة، يستبق الزمن إلى اكتمال الرجولة، واستيفاء الذكاء، وشب الصبي بعيدا عن طيش أترابه من الشباب ومجونهم، فهو في شبابه كان صامتا رائحا وغاديا مطرقا، يترفع بنفسه عما يلهو به غيره من أترابه وما يدنسهم منصرفا عما لا يعنيه. وكان خلال صمته وتفكره ينتقد بينه وبين نفسه، وربما انتقد بينه وبين أبيه الأوضاع الشاذة السائدة حينذاك في مكة، وطغيان ساداتها وجبروتهم الذي يوشك أن يطيح بهم، أو أن يبدلوا أمن الحرم خوفا، ورخاء العيش شدة. فهؤلاء السفهاء من بني أمية، وجمع، وسهم، وعدي، وغيرهم من المهيمنين على أهل مكة، لا يكفيهم أفياؤهم ومرابحهم، ولا تسد شهواتهم القيان ومن استزلهن الشيطان من نساء الحاضرة، حتى سطوا على تجارة الغرباء، وغلبوا الزائرين على بناتهم، فيبلغوا حاجتهم من الأموال والأعراض، ويغزوهم بأبشع من غزو البادية، وأشنع استهتارا. وقد قال عمار لأبيه مرة، ويح هؤلاء ألا يتقون شر هذه البدع المنكرة في قدسية بلدهم الذي يحيون به؟ ألايرون إذا تسامع الناس من حجاج البيت ومصرفي التجارة أن يثوروا عليهم ويخلعوهم من البيت أو يزيلوهم من الحكم والزعامة، أو يقاطعوهم إذا لم يستطيعوا إلى خلعهم سبيلا، فسيميتوهم فقرا ومذلة وهوانا؟ ما رأيت طيشا كطيش هؤلاء السفهاء. فقال له أبوه ياسر: أراك منذ اليوم تكبر على سنك وتسمو فوق شأنك أتسوق إلي هذا الحديث من نفسك؟ أم ألقى به إليك ملق أراد بك شرا؟ قال الشاب الناضج عمار: لم يلق إلي بهذا الحديث أحد إلا عيني المبصرة، وأذني السامعة، وما سمعه مني أحد قبلك، وإن كنت أعلم أن نفرا من المستضعفين أمثالي يئنون أنيني ويشكون شكواي. ألا تقرأ ذلك في أعين الناس؟ ثم تراهم تطيب نفوسهم بما تنكره أعينهم من استرقاق الناس واستضعاف الضعيف، وسلب الناس حقوقهم باسم الآلهة التي هي أشد رقا وأعظم ضعفا.
فقال له أبوه: قد أعلم ما تعلم يا بني وأوقن بما توقن، وأزيد فإني أعرف نفرا من العبيد والأحلاف وبعض أبناء البيوت يشوكهم ما يشوكك، ولكن اكتم هذا في نفسك ولا تجاوزه إلى أحد ممن في الوادي، أن يذيع عنك هذا النقد فيثير عليك شرا لا تقدر على دفعه، ولا تقوى على تحمله، واعلم يا بني أن لهذا البيت ربا يحميه، ويكشف عنه الضر. فأنت أضعف من هؤلاء السفهاء فتربص بهم، أما نحن الآن يا بني فليس لنا من الأمر غير الرضوخ والصبر، فإن أبينا سلخوا جلودنا كما تسلخ الشاة. قال عمار لأبيه: لست أعدو لك رأيا ولا أخالف لك أمرا، ولكني رأيت تخضع الهاشميين إلى إله غير آلهة قريش، فما هو هذا الإله؟ وما مكانه؟ ولماذا لا يظهرونه كما يظهر الآخرون آلهتهم؟ قال ياسر: يا بني أنا لا أعرف إله الهاشميين معرفة كاملة، ولكني أدرت فيهم وفي قومهم ما يمكن أن أدير من عقلي فوجدت لهؤلاء رأيا جميلا في الله، ورأيا جميلا في الحياة ليس لقومهم مثلها، ثم أردف قائلا لكل أجل كتاب لا يسبقه ولا يتأخر عنه. وهكذا دار الحوار السري بين الابن الذكي الناضج وبين الأب العاقل الصالح الحكيم. وكان عبد المطلب يتعبد ويتحنث على الحنيفية ملة أبيه إبراهيم (عليه السلام)، برغم تمسك قريش بشركهم عاكفين على عبادة أوثانهم، يغتنم الفرصة ويسعى في مهل إلى عبادة ربه دون أن يثير حفيظة قومه أو يريبهم، فيفاجئهم شيئا فشيئا بسنن الحنيفية من دين جده إبراهيم الخليل (عليه السلام)، ومن حكمته في تأتيه الفرصة وتحينها، إنه بدأ بنفسه فاجتنب الخمرة على أنها رجس، ولم يحرج قومه بحملهم على اجتنابها، ثم فارق المشركين في حقيقة دينهم كله بسلبية أخرى دون إكراه، ثم ذهب إلى غار (حراء) يتحنث، ويتنسك معتزلا آلهتهم متوجها إلى عبادة ربه بصومه وصلاته، ثم تجاوز بثورة أخرى لم يفطن لها المشركون، حيث حفر بئر زمزم بالقرب جدا من صنمي أسافة ونائلة إلهي النحر والأضحيات، حتى ضعضع مكانها وقد تحمل بهذه الخطة الذكية بعض الجهد والمشقة، لكن الله سبحانه سدد خطاه وأعانه على بلوغ خطته، وأخيرا انتصر، وجنى من نصره هذا نصرين عظيمين. أولهما النصر على الخرافة والتقاليد التي كان يدين بها المشركون في أسافة ونائلة وإعلان عدم خطرهما وعجزهما، وانتصر على عجز الانسان ببلوغه حفر بئر زمزم المطمور منذ عهود سحيقة وإحيائه بإخراج الماء منه وإسقاء الحجيج. ثم ظهرت له آيات أحدثت في كيانهم بعض التصدع وفتحت فيه بعض الثغور لا سيما مواجهته الطاغية الغازي إبرهة الحبشي . قال عمار: يا أبي رأيتك تعظم من بني هاشم ما لا تعظمه من بني مخزوم؟ وقد أعلم أن بني هاشم أرفع مكانا وأعز نفرا، ولكن مخزوم حلفاؤك وذوو الفضل عندك، أليس من الوفاء لهم أن تحبس عليهم ميلك وودك؟
فقال أبوه: أنا إنما أعظم الحق بمعزل عن هاشم ومخزوم، خذ الحق يا بني حتى من نفسك، فورب عبد المطلب لو فارقتني أنت فيه لفارقتك، ولكان أعظم بري بك وحبي له أن أدخلك عليه ما استطعت، وبلغا من حوارهما هذا الحد. وتمر الأيام آخذة بعضها برقاب البعض، وعمار يكتمل رجولة ونضوجا، وهو يغدو على أبيه ويمسي بخبر من الأخبار، وبفكرة من الأفكار ولا يوصله تفكيره إلى شيء، لا يمل هو، ولا يمله أبوه، ولعل أباه أعرف منه بهذه الأخبار ومجريات الأمور، ولكنه كان يصغي لولده الفطن إصغاء المشجع والعالم المتجاهل ويجيبه جواب المربي الحكيم، ويوصيه بعد كل حوار بالتحفظ والكتمان، وأصبح عمار في مصاف الرجال ويكنى بأبي اليقظان. وعندما ظهرت دعوة الإسلام في ربوع مكة وانتشرت انتشار النار في الهشيم بعد أن أعلنها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بأول شعار أطلقه قولوا لا إله إلا الله تفلحوا أطلقها صرخة مدوية في وجوه الكفرة المشركين وكان عمار سابع من أسلم استيقظت على صداها بيوت مكة وأنديتها، حتى شطرتها إلى شطرين، وعلى أثر ذلك اجتمعت مشيخة قريش في حجر إسماعيل يتداولون فيما بينهم ما دهمهم من الأمر، وقد ضاقوا ذرعا بأمر محمد ابن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وانتشار دعوته بين البيض والحمر، والأحرار والعبيد، وأصبح خطرا مؤكدا تخشاه طبقة النبلاء على مراكز نفوذها وزعامتها ومكانتها. وتوافد إلى هؤلاء المؤتمر زعماؤها، كالوليد بن المغيرة زعيم مخزوم، وابن أخيه الطاغية عمر بن هاشم (أبو جهل)، وعتبة وشيبة أبناء ربيعة بن عبد شمس، وصخر بن حرب (أبو سفيان)، والنضر بن الحرث صاحب لواء بني عبد الدار، والأسود بن عبد المطلب بن هاشم أبو لهب ، وعبد الله بن أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه أبناء الحجاج السهمي، وأمية بن الخلف الجمحي، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من مشايخ قريش وزعمائها. فلما اكتمل جمعهم، تذاكروا وتدارسوا خطر الدعوة المحمدية، ومن دخل فيها من السادة والموالي، وتجسد أمامهم الخطر المحدق بهم، بسبب أحقية الدعوة، وبلاغة بيان خطب الرسول (صلى الله عليه وآله) وفصاحته، وسحر كلامه، ووضوح رؤيا الرسالة كما إنه (صلى الله عليه وآله) سفه أحلام قريش وسخف آلهتهم، وعاب آباءهم. وبعد أن استمر اجتماع المؤتمر الساعات الطويلة، بل الأيام العديدة لم يصلوا إلى قرار حازم شاف، غير الوقوف بوجه الدعوة بكل ما يملكون من تدبير وقوة، وأخذ الذين اعتنقوا الدعوة بكل صرامة وشدة في التعذيب، وكل واحد منهم مسؤول عن حلفائه وعبيده وإمائه ومن يكون تحت نفوذه، وكان الطاغية أبو جهل أشد المؤتمرين على الدعوة والرسالة، وكان يحرض بقيه الزعماء على أخذ أتباع محمد (صلى الله عليه وآله) بالشدة والحزم، وقال أبو جهل دعوا لي تعذيب العبيد والسفهاء وسترون غدا ما يحل بآل سمية من أبكار الكوارث.
وكان هذا المجرم دائم التعرض إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وخاصة عندما يخرج من بيته إلى الحرم ليصلي إلى ربه بعض الركعات فكان يغري سفهاء قريش وصبيانهم بإيذاء النبي ورميه بالحجارة، وبالكلام القارص، حتى جاء ذلك اليوم الذي صب أبو جهل أمعاء القرابين وما فيها من رفث ودم على رسول الله وهو ساجد فرفع رأسه وأزال ما صب عليه وذهب إلى داره، وهو يقول رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. ولما سمع فتى العرب وفارسها حمزة بن عبد المطلب أبا عمارة عم النبي بعد رجوعه من الصيد بما أصاب ابن أخيه من أبي جهل استشاط غضبا وأقبل على المؤتمر المنعقد بمشيخة قريش وزعمائها وقصد أبا جهل من بينهم دون أن يكلمه بكلمة واحدة ورفع قوسه وأهوى به على رأس أبي جهل وصدره حتى سقى الأرض من دمائه، وقال له إن بك جرأة الرد علي، وأنذره أن هو تعرض بعدها لابن أخيه محمد (صلى الله عليه وآله) ليحدثن به ما يحدث، وأعلن على مسمع مشيخة قريش وزعمائهم إسلامه وحمايته لابن أخيه، فأسقط ما في أيدي قريش وهيمن عليهم الوجوم وخيم، أثر ضربة حمزة لأبي جهل ولم يستطع الرد عليه فجلس مكانه وأراد بعض فتيان مخزوم الانتصار لأبي جهل فمنعهم خوفا من اتساع الفتنة ووقع قتال بين بني هاشم ومخزوم، وبإسلام حمزة قويت شوكة المسلمين. كان عمار بن ياسر قائما يصلي في محراب مسجد بيته (سير أعلام النبلاء للذهبي ج 1 / 411، المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمان: أول من بنى مسجدا يصلي فيه عمار بن ياسر، أخرجه ابن سعد في الطبقات 3 / 178، والحكام 3 / 358)، عندما طرق الباب طارق، فخفت (سمية) أم عمار لفتح الباب، وإذا بها ترى زيد بن حارثة، فرحبت بالقادم الكريم، قائلة أهلا بأبي أسامة مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقادته إلى مصلى ولدها، ولما انفتل عمار من نافلته، وكان الوقت أصيلا، نهض فحيا القادم زيدا ورحب به، فابتدره زيد: هل لك أبا اليقظان بالخروج إلى البيت (الحرم) لنلم بأندية قريش؟ وقد حملت إلينا بشارة، أرسلني سيدي أبو القاسم (صلى الله عليه وآله) أتثبت منها وأتحقق، وأحببت أن تصاحبني لندخل البيت معا، ثم ننقلب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في دار السلام بالخبر اليقين. قال عمار: وأي بشارة تعني؟ ومثلك من يبشر. هل من جديد في الإسلام؟ شد ما يصبر الله على هؤلاء المشركين. قال زيد بن حارثة: جاءنا في دار السلام إن أبا عمارة حمزة بن عبد المطلب، ضرب أبا جهل على ملأ من قومه ضربة بالقوس سقت الأرض من دمه، وأنذره إن تعرض بعدها للنبي ابن أخيه ليحدثن به ما يحدث، وأعلن على مسمع من مشيخة قريش وزعمائهم إسلامه منذ اليوم، وكان ردا على أذاه لرسول الله (صلى الله عليه وآله). قال عمار: مبتهجا مسرورا - حمزة فعل ذلك؟! والله لطالما كنت أتوقعها من فتى العرب وفارسها، أن لا يقر لجهل أبي جهل، إن هذا الطاغية الخبيث نشط منذ أيام في إيذاء النبي ومناوأته والاعتداء عليه، وإغراء سفهاء قومه وصبيانهم، وأقل جزائه الموت. قال زيد: ما تزال قوة مكة بأيدي هؤلاء الطغاة المردة، ولا يرى لنا أبو القاسم إلا الصبر، وأن لا نحدث فيهم أمرا فإنه مأمور بالسلم ما أمكن السلم وإلا ما أيسر قتل أبي جهل وغيره. وبآخر كلمة من زيد دخلا البيت فإذا ضربة حمزة لأبي جهل وإعلان إسلامه منعطفا خطيرا في تطور الدعوة الإسلامية، وقد اتخذت أبعادا وأشكالا مختلفة، وتصورات متضاربة، فيها الذل والهوان وفيها النقمة والثأر، وفيها الحذر، وفيها العزم، وفيها الثورة، وفيها الحيرة، والكل واجمون صامتون مفكرون، وأبو جهل ما يزال في مجلسه لم يفارقه، وهو يمسح الدم عن رأسه ووجهه وجسده. وما إن رأى عمارا يدخل البيت يصاف زيد بن حارثة على ملأ من قريش حتى تنفس وانفجر كالبركان الثائر صارخا بمن حوله أرأيتم أشد صلفا من هذا المقبل الذي استله زيد من عبيد مخزوم، وأقبل به يسدد إلي ضربة أخرى، تالله ما رأيت كاليوم تغيرا في مكة! وأسرع غلمان أبي جهل يستبقون إلى عمار بن ياسر يدعونه إلى سيدهم، فاعترضهم زيد ممانعا قائلا لهم: ماذا يبتغي أبو جهل من أبي اليقظان؟ قولوا له عني، إن عمارا مشغول عنه بواجب، وسيلقاه حين يفرغ من واجبه، لكن الجلاوزة سحبوه بعنف، وخشي عمار أن يتطور الموقف إلى ما لا يحمد عقباه، فيؤخذ زيد أيضا بسببه، فقال له: دعني يا أبا أسامة أكابد الرجل ولا تخشى علي من بأس، وأقبل عمار مع الغلمان إلى أبي جهل، وعندما اقترب منه قال: هل لأبي الحكم من حاجة إلى حليفه عمار؟ رفع أبو جهل رأسه وقال: وأنت يا بن سمية؟ قال عمار: في مخزوم نساء كثيرات كسمية يا أبا الحكم؟ لقد كانت سميه أمة فتحررت، ثم من الله عليها بحرية الإسلام، فهي اليوم تنعم بحريتين خيرهما الحرية من رق الكفر وعبودية الأوثان، فما أراك إلا تمدحني من حيث تريد أن تسبني. فقال أبو جهل: ويلك. فقاطعه عمار قائلا: الويل لي إذا أشركت وكفرت وعبدت غير الله. قال أبو جهل: صدق صخر إذ أخبرني إنك أفقت ذات صباح فوجدت نفسك بمعجزة محمد سيدا فوق السادة، ولكن سأريك مكانك اللائق بك أيها العبد اللاجئ، فأمهلني حتى أعذر بك. قال عمار: وهل تعذرني؟! أو تملك عذرا لتعتذر، وأنت تعبد الأوثان. قال أبو جهل: أترى إلى هذا الدم يخضب رأسي ووجهي ويسقي الأرض؟ ودار الحديث والنقاش طويلا بينهما وأخيرا. قال أبو جهل: ما رأيت كاليوم لجاجة من عبد سوء! ويح أبي حنظلة (يعني أبا سفيان) ما أعرفه بالناس، ويلك يا بن سمية ألست حليفا لمخزوم تحارب من يحاربون وتسالم من يسالمون؟ قال عمار: وليس شيء أدل على وفائي لهذا الحلف من دعوتي إياك إلى الإسلام، فوالذي نفسي بيده لم أنصح إليك فيما مضى من عمري كما نصحت إليك اليوم. قال أبو جهل متهكما: أو تشفع لي عند محمد إذا أتيته الليلة معك؟ قال عمار: لا تسخر يا أبا الحكم، ولا تأخذك العزة بالإثم، إن محمدا (صلى الله عليه وآله) نبي رحمة، ورسول خير إليكم. قال أبو جهل: ها أنت توفر لي العذر أيها الأحمق! أملوم أنا الآن إذا سلخت جلدك كما تسلخ النعاج؟ إنما أنت سيئة من سيئات محمد الذي أدار لسانك بمثل هذا السحر العجيب.
قال عمار: وأين كانت هذه الشجاعة حين عمك قوس أبي عمارة (يعني حمزة بن عبد المطلب)؟ أم خشيت سطوة فتى العرب وفارسها، وأشبال عبد المطلب، وأمنت عمارا وياسرا الغريبين اللاجئين؟ لو كنت رشيدا لنهاك الاستخداء بين يدي حمزة بن عبد المطلب عن الاستفحال. أمام عمار، وحسبك من شريعتك أنك تعق عمك وتخفر جواره وهو في قبره. ثم التفت أبو جهل لغلمانه وقال: خذوا هذا الأحمق عسى أن يبدل رأيه إذا مسه السوط، وبينما كانت السياط تتلوى على ظهر عمار بن ياسر بين يدي أبي جهل، كان الله سبحانه يبارك روحه وصبره في دار الإسلام حيث تنزل فيه وفي أبي جهل آية من القرآن: *(أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون)*( سورة الأنعام (122)). يقول ابن عباس: الرجل النير في هذه الآية إنما هو عمار بن ياسر، والرجل المظلم والكافر إنما هو عمرو بن هشام، أبو جهل (الاستيعاب للقرطبي ج 2 / 478).


محنة المستضعفين من المؤمنين
قالت (سمية) لزوجها ياسر، بؤسا لهذا الطاغية لقد امتلأت مكة بحديث قسوته على عمار وشدته عليه، ويلي لعمار ولهفي عليه، ألا يقبل هذا الطاغية به بدلا؟ لجلده، إن عمارا لم يتعود مس السياط على ظهره، ولا خشونة الهراوات. قال ياسر: إحتسبي يا أمة الله عذاب عمار عند الله، فقد أمرنا النبي (صلى الله عليه وآله) بالصبر، ووعدنا الجنة، ولا تعجلي، غدا ستقرن أم عمار ويقرن معها أبوه إلى عمار ويساقان مع ابنهما إلى العذاب تحت أشعة الشمس المحرقة، ذلك وعد الله، ووعده حق، وماذا على عمار وأبيه إذا دفعوا من أجسامهم هذا الثمن الزهيد فداء لكلمة الله والإسلام، وسبيلا إلى إنقاذ المؤمنين والناس مما يرهقهما بأشد من جلد عمار وأبي عمار، ولكن عزاؤك أنك صائرة منذ الغد إلى لقاء عمار تقاسمينه السياط، وغير السياط من وحشية عذاب هذا الطاغية أبو جهل وتأسي فليس آل ياسر وحدهم في محنة الإسلام، فهناك طائفة من المستضعفين المؤمنين أصيبوا بمثل ما منينا به فصبروا واحتسبوا، وقد وثب كل مشرك من الطغاة إلى عبيده وأحلافه المؤمنين وسلطوا عليهم السياط وألسنة النيران ليلا ونهارا، كبلال بن رباح من قبل أمية بن خلف، وجارية بني مؤمل من قبل عمر بن الخطاب، وسالم مولى أبي حذيفة، وخباب بن الأرت، وصهيب بن سنان، وعبد الله بن مسعود، وعامر بن فهير، وأبي فكيهة، وأم عنيس، وغيرهم من الأخوة المؤمنين الذين منوا بالعذاب من قبل طواغيتهم من قبائل سهم، وجمع، وأمية، وزهرة، وتيم، وعدي، فما بالك تقلقين على عمار؟ وهو يعذب مع هذه الطليعة من المؤمنين، فله بهم أسوة حسنة، وحسبهم جميعا أنهم بعين الله يرعاهم، ومضى هزيع من الليل ساهرين مناجين، وانسل كل واحد منهم إلى محرابه يصلي لله راكعا وساجدا، يذكر الآخرة، بتهجده وعبادته وقبل أن تنشر الشمس أشعتها طرق عليهما الباب طرقا عنيفا اهتزت لشدته الجدران وتضعضعت الباب من الدفع وتداعت تحت أقدام الجلاوزة المهاجمين الذين دخلوا صحن الدار حاملين مشاعل تتوقد منها السنة النار، وآخرون ورائهم يحملون رزمات الحطب، وما أبصر الشيخان ذلك حتى أخذت السنة النار تأخذ أطراف الدار، وامتدت إليهما أيد غلاظ شداد فاختطفتهما ورمتهما خارج الدار بأسرع من البرق وشدت وثاقهما بالحبال، ولا يشعران إلا وهما يسحبان ويجران من أرجلهما على الأرض المملوءة بالأحجار والصخور، ورأسهما يعلوان ويهبطان على الصخور من عنف السحب، ولما قدم الشيخان المؤمنان إلى جلادهما الطاغية أبي جهل قال: كيف وجدتما وعد محمد أيها الخائنان؟ فقال ياسر: هذا ما وعد الله ورسوله، وقالت سمية: صدق الله وصدق رسوله. قال أبو جهل: أتلعنا محمد وتثنيا على آلهتنا فتسلمان؟ أم تغدوان على عذاب لم تسمع بمثله الأذن، ولم تر مثاله العين؟ قال ياسر: هذا ما وعد الله ورسوله، وقالت سمية: صدق الله ورسوله. قال أبو جهل: لا تطيلا اللجاجة، أنا أخيركما بين عبوس العذاب، وبين ابتسامة السلامة، فكونا عاقلين، ولا تتبعان هذا الأحمق الذي ولدتماه شؤما عليكما وعلى بني مخزوم.
قال ياسر: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وقالت سمية: صدق الله ورسوله. قال أبو جهل لغلمانه، أذيقوهما العذاب إذا اشتعلت الهاجرة، فسحب الشيخان على الرمضاء الهاجرة والرمال الملتهبة، وامتدت الأيدي الغلاظ الشداد إليهم بالسياط لتتلوى على جسديهما النحيفين، وهما ثابتان صابران، وكأن السياط تئن من الوقع ولا يئن الشيخان، فإذا كلت السواعد وغلب أبو جهل على أمره، استشاط غيضا وأمر جلاوزته بسحبهما إلى مثوى ولدهما (عمار) فإذا صار قريبا منه هش لهما وهشا له مغتبطين كان ليس بهما إلا العافية. قال عمار وهو في قيوده: كيف أنتما يا أبوي؟ فقالا بلسان واحد بل أنت كيف تجد نفسك يا بني؟ قال إن كان إيماني وكنتما بخير كنت كذلك، فردا عليه بمثل ما قال. قال ياسر هنيئا لك يا عمار: ألا أبشرك ببشارة تثبتك فيما أنت فيه؟ لقد بلغني إن الله أنزل قرآنا يذكرك عامرا لمسجدك الذي أحرقه المشركون، فقال تعالى: *(أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب)*( سورة الزمر (9)) فاستقبل عمار بشارة أبيه بعينين تفيضان بالدمع من الفرح والرحمة، وأومأ بالسجود شكرا وامتنانا. وصممت الأسرة الكريمة المؤمنة عزمها على الاستخفاف بكل ما ينتظرها من المحن والعذاب مهما بلغ من الشدة والنكال. خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك اليوم وقت الظهيرة، وكانت الشمس تسلط نار أشعتها على ربوع مكة سعيرا، وترسلها في الهواء فإذا هي لهب لافح يشوي الوجوه، وتنشره على الرمال فإذا هي لظى يؤجج بعضه بعضا، وتبعث من توقدها سعيرا آخر أحمى من السعير، تقدم النبي (صلى الله عليه وآله) نحو البطحاء بخطى ثابتة حتى أشرف على الرمضاء ليرى ويا لهول ما يرى، يرى فوق سعير الرمضاء نارا مشبوبة، إلى جنبها أحواضا من أدم تتفايض بالماء، ويرى رماحا مشرعة بأيدي عصابة جبارة ومشاعل لاهبة بأيدي عصابة أخرى، والعصابتان تدوران حولهم كحلقة المعصم، يتقدم أبو القاسم (صلى الله عليه وآله) نحو الشيخين وابنيهما ثابت القدم راسخ الجنان حتى يخترق تلكم العصابة وذلك النطاق، ليرى الشيخين والكهل مطروحين على الرمضاء عراة، مربطين بالحال وعلى صدورهم الصخور الثقيلة، والجلاوزة يدورون حولهم ويطعنوهم بأطراف أسنة الحراب ويلدغوهم بأطراف المشاعل، وأبو جهل قائم على رؤوسهم ويقول لا ينجيكم مما أنتم فيه، إلا ثلاث، سب محمد، والبراءة من دينه والرجوع إلى عبادة (اللات والعزى) وهم أرسخ من الجبال ثابتون صامدون يسبون آلهتهم ويذكرونهم بكل سوء، ويحمدون الله ويمجدون رسوله بأطيب الذكر أرضاه، ويستزيدون من عذاب أبي جهل. فلما رأوا الرسول (صلى الله عليه وآله) مقبلا لزيارتهم ومواساتهم بنفسه، عقد الحب والإيمان، والإجلال لسان عمار وأمه سمية، وانطلق لسان ياسر بالسلام متوجها نحو الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) يهون عليه ما نزل بهم من العذاب فيقول هكذا الدهر يا رسول الله، ويجلس النبي القرفصاء عند رؤوسهم يمسحها بيده الكريمة ويقول: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة ، ثم يرفع طرفه إلى السماء ليقول: اللهم إغفر لآل ياسر وقد فعل ثم ينهض لشأن من شؤون المسلمين، فيودعهم متجلدا صابرا وكان أبو جهل ينظر هذا المشهد من بعيد ولا يجرؤ أن يتقدم خطوة مع طغيانه وجبروته، إلا أنه بعد ما انصرف الرسول (صلى الله عليه وآله) جن جنون أبي جهل واحتدم غيضا، وكال على الشيخين والكهل شديد عذابه، فأمر بإزالة الصخور من على صدورهم، فاختلفت السياط وانهالت الحراب والمشاعل على رؤوسهم، وصدورهم وجنوبهم أينما وقعت، فإذا كل الجلادون وعجزوا ولم يظفر أبو جهل من المجلودين بغير الصبر والثبات، أمر بتغطية رؤوسهم في بركة الماء لتخمد أنفاسهم غرقا، ويخرج آل ياسر رؤوسهم من الماء ليلتقطوا أنفسا تلهج بحمد الله والثناء عليه وتصلي على رسوله الكريم، وعيب آلهتهم اللات والعزى وذكر أبي جهل بما يكره، عند ذلك فقد أبو جهل صوابه، وجن جنونه، فأخذ إحدى الحراب من غلمانه وغمدها في قلب (سمية) في عدة طعنات حتى قضى عليها، ثم انثنى هائجا كالثور المحموم فرفس ياسر عدة رفسات برجله حتى لفظ الشيخ آخر أنفاسه، كل ذلك جرى أمام ولدهم البار عمار يسمع ويرى، وكانت سمية وزوجها ياسر أول الشهداء في الإسلام، وطليعة القادمين على الله بشرف الشهادة وقد زف ياسر وزوجته إلى الجنة بموكب ملائكي مهيب محاطين بالرضوان، وتحفهم الملائكة الكرام. فسلام عليهما يوم ولدا، ويوم أسلما، ويوم جاهدا، ويوم استشهدا، ويوم يبعثا حيين.





شذرات من حياته
بقي عمار وحده للمحنة يكابد آلامها، وقد نسج من خيوطها بطولات خالدة صارت رمزا للجهاد والشهادة مدى العصور والأزمان عبر التاريخ، ليضرب بذلك المثل الأعلى في الصبر والتضحية، والإيمان الراسخ، وبقي عمار نصب عتو أبي جهل، حيث صب على رأسه أنواع العذاب من حر الحديد، ولفح النار، وضغط الماء، وغيرها مبلغا لا يعلمه إلا الله، ولم يدر معه ما يقول: فلما أطلقه أبو جهل، أقبل على النبي، كئيبا حزينا، مسود الوجه، منكسر النفس، دامع العين فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ما وراءك يا عمار، قال شر يا رسول الله، والله ما تركوني حتى ذكرت آلهتهم بخير، وذكرتك بما تكره. قال النبي: فكيف تجد قلبك ؟ قال أجده مطمئنا بالإيمان قال: فإن عادوا فعد ثم نزلت في عمار هذه الآية: *(من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم)*( سورة النحل (106)). لم ينجه من مكر أبي جهل إلا أمر الله بالهجرة إلى الحبشة، فكان من أهل القافلة الثانية إلى دار النجاشي، وظل فيها ينعم بالدعة والاستقرار حتى عاد فيمن عاد إلى يثرب المدينة المنورة بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) إليها مباشرة. كان لثبات عمار بن ياسر تحت سياط التعذيب صدى عظيما في نفوس المؤمنين، وأصبح نضاله رمزا للهداية والإيمان، لا سيما بعد ما توجه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بأحاديثه الخالدة منها: عندما جاء قوم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: إن عمارا قد كفر، قال كلا: إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه (المستدرك للحاكم النيسابوري ج 3 / 392، سير أعلام النبلاء ج 1 / 413، الإصابة ج 2 / 512، أعيان الشيعة 8 / 373، رجال بحر العلوم 3 / 172).
وقال (صلى الله عليه وآله) في مواقف عديدة ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية (أخرجه ابن ماجة 147 في المقدمة باب فضل عمار بن ياسر، وأبو نعيم في الحلية ج 1 ص 139، وذكر الهيثمي في المجمع ج 9 ص 395)، واستأذن عمار يوما على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعرف صوته فقال مرحبا بالطيب المطيب ، وفي رواية الطيب ابن الطيب (المستدرك للحاكم النيسابوري ج 3 / 388، سير أعلام النبلاء ج 1 / 413، الإصابة ج 2 / 512، أعيان الشيعة 8 / 373، رجال بحر العلوم 7 / 172). تقول عائشة: ما من أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشاء أن أقول فيه، إلا عمار، فإني سمعته يقول فيه: إن عمار ملئ إيمانا إلى أخمص قدميه وهو أحد الأربعة اشتاقت لهم الجنة - أولهم علي (عليه السلام). وقال أنس بن مالك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
إن الجنة تشتاق إلى أربعة، علي وسلمان، وعمار، والمقداد (الاستيعاب على هامش الإصابة ج 2 / 479، أعيان الشيعة 8 / 373، رجال بحر العلوم 3 / 176). عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: إن ابن سمية لم يخير بين أمرين قط إلا اختار أرشدهما فالزموا ابن سمية (المستدرك للحاكم النيسابوري 3 / 388، سير أعلام النبلاء 1 / 416، أعيان الشيعة 3 / 373، رجال بحر العلوم 3 / 177) وكان عمار ميزان الحق وقسطاس الصواب والهداية، والنجم الثاقب في الليل المظلم، الممتلئ إيمانا، والثابت حين المحنة والفتنة، والتابع لإمام الهدى، والمقتول بسيف البغي والعدى. قال خالد بن الوليد: كان بيني وبين عمار كلام فأغلظت له القول فانطلق عمار يشكوني لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتبعته وأنا أشكوه إليه وزدته غلظة والنبي ساكت لا يتكلم فبكى عمار وقال يا رسول الله ألا تراه؟ فرفع النبي (صلى الله عليه وآله) رأسه وقال: من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله ، قال خالد: فخرجت فما كان شيء أحب إلي من رضى عمار فلقيته فرضي (الإصابة 2 / 512، سير أعلام النبلاء 1 / 451، المستدرك للنيسابوري 3 / 291). سئل حذيفة بن اليمان، وهو يحتضر في فتنة عثمان بن عفان عن الإمام الحق إذا اختلف الناس؟ قال: عليكم بابن سمية فإنه لن يفارق الحق حتى يموت (الاستيعاب على هامش الإصابة 2 / 480، المستدرك للنيسابوري 3 / 291). صلى عمار إلى القبلتين (القبلتان: بيت المقدس وبيت الحرام) وهاجر الهجرتين (الهجرتان: هجرة الحبشة، وهجرة المدينة)، وهو من أهل بيعة الرضوان، وكان في طليعة الأبطال الذين دافعوا عن الإسلام وجاهدوا بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن أبلوا بلاء حسنا في المواقع كلها لا سيما في غزوة بدر الكبرى، وأحد، والخندق، وحنين، وكان من حملة راياته في بعض مواقعه. كما اشترك في صدر الإسلام في بناء مسجد قبا، ومسجد رسول الله، وحفر الخندق، بكل جد ونشاط مع شيخوخته وكبر سنه. وعندما ولي إمارة الكوفة في عهد عمر بن الخطاب سار في أهلها سيرا لم تجده إلا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من العدل وإحقاق الحق، ومكافحة الباطل، وما كان يهتم بأبهة الولاية ولا بمظهر الدنيا، ويروي أحد معاصريه من أهل الكوفة، رأيت عمار بن ياسر وهو أمير الكوفة يشتري من قثائها ثم يربطه بحبل ويحمله فوق ظهره ويمضي به إلى داره!! ولم يكن عسيرا عليه أن يتمتع بنعيمها أو أن يتجبر ويتكبر، يمشي خلفه الخدم والحشم والحرس وهو والي الكوفة، وأمير جيشها، ولكنه ترفع عن هذا كله، وكان يأكل من كد يده ولا تطمع نفسه إلى بيضاء أو صفراء، وكان من أبرز معارضي عثمان حين انحرف ومن الثائرين عليه. وكان عمار من حملة راية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في حرب الجمل الناكثين، وفي حرب صفين القاسطين واستشهد فيها - مصداق قوله (صلى الله عليه وآله) تقتلك الفئة الباغية. وكان عمار مصدرا من مصادر العلم والحديث، وقد أخذ عنه وروى ابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن جعفر، وأبو الأوس الخزاعي، وأبو الطفيل، وأبو أمامة، وجابر بن عبد الله، ومحمد بن الحنفية، وعلقمة، وأبو وائل، وهمام بن الحارث، ونعيم بن حنظلة، وعبد الرحمن بن أتري، وناجية بن كعب، وأبو لاس الخزاعي، وعبد الله بن سملة المرادي، وابن الحوتكية، وثروان بن ملحان، ويحيى بن جعارة، والسائب والد عطاء، وقيس بن عباد، وصلة بن زفر، ومخارق بن سليم، وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وأبو البختري، وجماعة من التابعين.
أقدم النبي (صلى الله عليه وآله) على بناء مسجده في المدينة فشمر عمار عن ساعد الجد والعمل في بناء المسجد مع سائر المسلمين، وكانت هذه المساواة دعوة بلسان الحال لكافة المسلمين أن يشاركوا في العمل دون أنفة أو استكبار، وكان أنشودة المسلمين حين العمل: لئن قعدنا والنبي يعمل * لذاك من العمل المضلل كان يحمل كل مسلم لبنة واحدة لرصفها في البناء، أما عمار فكان يحمل لبنتين معا كل مرة (أعيان الشيعة 8 / 373، المستدرك للحاكم النيسابوري 3 / 387)، ويبذل كل مسلم جهدا واحدا ويأبى عمار إلا أن يبذل جهدين، فزاد أحدهم لبنة أخرى فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون علي ما لا يحملون، قالت أم سلمة زوج النبي فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينفض وفرته بيده وكان رجلا جعدا وهو يقول: ويح ابن سمية ليسوا يقتلونك إنما تقتلك الفئة الباغية وتكرر قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعمار تقتلك الفئة الباغية في حفر الخندق وغيرها. وارتجز علي بن أبي طالب (عليه السلام) يومئذ هذه الأنشودة أثناء العمل: لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيه قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا فجعل يرتجز فيها ويكثر من ذكرها فظن رجل من الصحابة أن عمارا يعرض به فقال (ما اشترك عثمان في بادئ الأمر بالبناء، وحينما خرج من بيته صادف أن اندهم الجدار فأثار الغبار، فتنحى عثمان عنه وأمسك بطرف ثوبه أنفة لذلك ظن أن عمار تعرض له): قد سمعت ما تقول منذ اليوم يا بن سمية، والله لا أراني سأعرض هذه العصا لأنفك، وكانت في يده عصا فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، أن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي . لما ورد النبي (صلى الله عليه وآله) منطقة قبا القريبة من المدينة، نزل في بني عمرو بن عوف، ومنتظرا قدوم علي بن أبي طالب (عليه السلام) من مكة ومعه الفواطم، فقال عمار: لا بد أن نجعل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مكانا يستظل به ويصلي فيه، فاستشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) ببناء مسجد قبا فوافق، وتقدم ووضع حجر الأساس في قبلة المسجد وأتم عمار ومن معه بناء المسجد، وهو أول مسجد بني في الإسلام، وأنزل الله تبارك وتعالى فيه هذه الآية: *(لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه)*( سورة التوبة (108)). وقد شهد عمار بن ياسر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع غزواته ومواقفه وقد أبلى بلاء حسنا في غزوة بدر الكبرى خاصة وقتل عددا من صناديد قريش وشجعانهم من المشركين. ويوم المؤاخاة آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين عمار وحذيفة بن اليمان وكانا محافظين لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما كان عمار ملازما لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولطول الصحبة توافقا روحيا، وتتبع أثره إلى آخر ساعة من حياته وبقي وفيا بمبادئه للإمام علي (عليه السلام). يوم الخندق علم النبي (صلى الله عليه وآله) بعزم المشركين وبقية الأحزاب المؤيدة لهم على غزو النبي وأصحابه في المدينة المنورة، بعد معركة بدر واحد، فاستشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق، فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) بما أشار عليه سلمان، وأمر بتهيئة الفؤوس، والمساحي، والمكاتل، لنقل التراب وبعض آلات الحفر. وبدأ النبي (صلى الله عليه وآله) باسم الله فكان أول ضارب في حفر الخندق، وأول مغبر بترابه، وأول مالئ مكتله من التراب، وهو ماض بكل همة ونشاط، وتبعه المسلمون فقسم كل مساحة من الحفر على جماعة من المهاجرين والأنصار، وهو معهم ويردد هذه الأنشودة: اللهم إن العيش عيش الآخرة * فاغفر إلى الأنصار والمهاجرة تمضي الأيام الستة ويتم حفر الخندق عن آخره، ولما اطلع المشركون على فكرة الخندق وعرفوا الخطة وبهتوا وتعجبوا وقالوا: ما هي إلا مكيدة الفارسي الذي معه. وإذا كان بلاء كل مسلم بلاء واحدا فعمار أبلى نسفه وأجهدها مرتين بالعمل، حتى سعى النبي (صلى الله عليه وآله) إليه بنفسه ينفض التراب عن رأسه قائلا له كلمته الخالدة: ويح بن سمية تقتله الفئة الباغية .








التزامه الحق ومعارضته الباطل
كان عمار ملازما للنبي (صلى الله عليه وآله) طيلة أيام حياته حتى آخر ساعات عمره الشريف ما فارقه أبدا ولا فارق ابن عمه وخليفته من بعده، علي بن أبي طالب (عليه السلام) ولما التحق الرسول الأعظم بالرفيق الأعلى، كان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر من وجوه المهاجرين والأنصار، ومالوا مع علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ولم يبايعوا أبا بكر، إلا بعد شهادة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ورحيلها، وبعد ما بايع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أبا بكر حفاظا على وحدة المسلمين. انكشفت الأقنعة وظهرت فرق الأحزاب في سقيفة بني ساعدة، وأخرج المتحزبون رؤوسهم من مغرزها متصارعة فيما بينها على كرسي الخلافة والحكم، والنبي بعد لما يقبر، مجتمعين على غصبها من أصحابها الشرعيين أهل البيت وقد انقسموا إلى عدة فرق وأحزاب: الحزب الأول: حزب قريش المتمثل بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجراح. الحزب الثاني: المتمثل بالأوس والخزرج من الأنصار مع ما بهم من خلاف وأقحم الحزب الأموي نفسه إقحاما بزعامة صخر بن حرب أبو سفيان لعل أن يضع له قدما في الساحة، فإن لم يستطع فبإمكانه إفساد الأمر على الجميع بخلق الفتنة والخلاف بين المسلمين. وأهل البيت أصحاب الحق الشرعيين مشغولون بتجهيز النبي ومذهولون من شدة المصيبة، وعمار معهم لا يفارقهم مع خلص أصحابه. وبعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ارتدت العرب، وكثرت الفتن، وكانت فتنة مسيلمة الكذاب أعظمها، حيث انقادت له اليمامة، وبنو حنيفة، فأرسل أبو بكر جيشا كبيرا، وقد شارك في قتال مسيلمة وأتباعه جل الصحابة من بدريين وغيرهم، وكان فيهم عمار بن ياسر، وقد ظهرت منه شجاعة فائقة ونجدة بالغة على رغم شيخوخته وكبر سنه. وهناك مواقف عديدة وقفها عمار بوجه عثمان بن عفان في صدر الإسلام، وفي زمان الرسول (صلى الله عليه وآله) لم نذكرها بغية الاختصار. ويوم الشورى بعد مقتل عمر بن الخطاب، دافع عمار عن الحق ومبادئ الإسلام، وأعلن رأيه في عثمان، فنادى أهل الشورى وناشدهم لله ناصحا وهو في مكانه بين المسلمين، إذا أردتم أن لا يختلف الناس فبايعوا عليا، وتابعه المقداد مؤيدا ومصدقا لعمار قائلا: إن بايعتم عليا سمعنا وأطعنا. ويعلو صوت عبد الله بن أبي سرج الأموي المنافق الذي أنزل الله بنفاقه قرآنا يا معشر أهل الشورى بايعوا عثمانا إن كانت لكم حاجة بأن نسمع ونطيع، فيعترضه عمار ويشتمه ويقول له: ما أنت وهذا إنما أنت منافق؟ إن الله والناس يعلمون إنك ما زلت تكيد للإسلام وتبغي له الغوائل والشرور، وتصدى لعمار نفر من بني أمية فوقف دونهم نفر من بني هاشم مدافعين عن عمار، وكادت الفتنة أن تقع لولا لطف الله ورحمته، وقف عمار بين الناس يخطب بلسانه ونطقه الساحر، داعيا إلى الحق، معلنا فضائل علي وجهاده وبلاءه في الإسلام، غير أن المؤتمرين حسموا الأمر لصالح عثمان بالسرعة الممكنة خوفا من وقوع الفتنة، وكأن الأمر مدبرا ومحسوما من قبل عمر قبل موته.
ولما ظهرت البوائق من حكم عثمان بن عفان وانحرافه عن حكم الإسلام وسيرة الشيخين، تصدى عمار له معلنا معارضته والدفاع عن الحق والإسلام، وناشد عليا (عليه السلام) بهذه الكلمات الرائعة. أيا ناعي الإسلام قم فانعه * لقد مات عرف وبدا نكر أما والله لو أن لي أعوانا لقاتلتهم، والله لو قاتلهم واحد لأكونن ثانيا. وليس لجهاد عمار وثباته غاية إلا للدفاع عن بيضة الإسلام، وكلمة الحق. قال ابن قتيبة: كتب بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) كتابا ذكروا فيه ما خالف عثمان من سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنة صاحبيه. وما كان من هبته خمس أفريقيا لمروان بن الحكم وفيه حق الله ورسوله، وأمورا أخرى ارتكبها عثمان على خلاف الحق، ثم تعاهد الأصحاب ليدفعن الكتاب في يد عثمان وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر، والمقداد والأسود وكانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان، والكتاب في يد عمار جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب؟ فقال نعم، قال: ومن كان معك؟ قال: كان معي نفر تفرقوا خوفا منك، قال: من هم؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت علي من بينهم؟ قال مروان بن الحكم يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود، (يعني عمار) قد جرأ عليك الناس وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه، وقال عثمان اضربوه، فضربوه وكان حينذاك ينيف على الثمانين عاما، واشترك عثمان بنفسه معهم في الضرب حتى فتقوا بطنه فغشي عليه فجروه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) فأدخل منزلها لمعالجته، وغضبت فيه بنو مخزوم وكان عمار حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن المغيرة فقال: والله لئن مات عمار من ضربته هذه لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية. فقال عثمان لست هناك واجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات ما قتلنا به أحدا غير عثمان (الإمامة والسياسة).




استشهاده في صفين
بلغ عمار القمه من ثقة المسلمين وتقديرهم، بفضل ما قال فيه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من الثناء له في أحاديثه الشريفة، وما قدمه من التضحيات في مواقفه الرائعة في سوح الجهاد في سبيل الإسلام. كما أبلى بلاء حسنا يوم الجمل ويوم صفين مع أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان حامل رايته. ولما شبت المعركة في صفين واحتدم القتال بين الحق والباطل بين علي أمير المؤمنين وبين معاوية، كان عمار في صف جيش أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي أواخر هجمات القتال الذي استمر ثلاثة أيام بلياليها وكانت آخر ليلة ليلة الهرير ، زحف عمار بن ياسر بكتيبته على الأعداء جيش الضلال جيش معاوية وحزبه من أهل الشام، وكان صاحب رايته وحاملها البطل المقدام هاشم بن عتبة المرقال. قائلا له تقدم فداك أبي وأمي، وانقض على أهل الشام انقضاض الصقر على فريسته، فزحزح صفوفهم، حتى دنا من قائدهم عمرو بن العاص في قلب معسكره وناداه يا عمرو بعت دينك بمصر؟ تبا لك، ولطالما بغيت للإسلام شرا، ثم هجم عليهم فتضعضعت صفوفهم، وكان وقع كلامه أشد عليهم من وقع سيفه، وأعاد إلى ذهنه وتذكر وهو في ساحة المعركة أن هذه الراية التي بيد عمرو بن العاص في جيش الضلال قاتلها وبارزها ثلاث مرات وهو بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) (الثلاث مرات هي معارك: بدر، واحد، والأحزاب. المستدرك للحاكم النيسابوري 3 / 384) وكانت في جبهة الباطل، ثم لكز حامل رايته هاشم المرقال وقال له تقدم فداك أبي وأمي والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت إننا على الحق، وإنهم على الباطل ، تلك الراية قاتلتها بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث مرات وهذه الرابعة ثم انصب عليهم انصباب الصاعقة، فانهزموا أمامه انهزام المعزى أمام الذئب. وقد علم أهل الشام حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) فيه وإنه تقتله الفئة الباغية وهم اليوم الفئة الباغية التي قاتلهم عمار بسيفه، كما أن خطر عمار ما خفي على معاوية والمقربين من حزبه، ومضى عمار مقداما يبطش بالباغين ويحث حامل رايته على التقدم والانقضاض عليهم كالصاعقة والجيش الأموي يتراجع وينهار انهيارا مطردا، ومن جهة أخ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abd1990.darbalkalam.com
 
حواري الرسول والامير عمار بن ياسر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الرسمي للشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي :: الفئة الأولى :: قسم السيرة-
انتقل الى: