منتدى الرسمي للشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي
ترحب بكم ادارة منتدى الشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي



حللت أهلاً .. ووطئت سهلاً ..
أهلاً بك بين اخوانك واخواتك
آملين أن تلقى المتعة والفائدة معنا
.:: حيـاك الله ::.

نتمنى أن نراك بيننا للتسجيل أنقر هنا
منتدى الرسمي للشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي

منتدى عام مستقل لاتقصرو بتسجيل هدفنا جمع اكبر عدد من المثقفين لتحريرالعالم من الجهل.
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
سحابة الكلمات الدلالية
المواضيع الأخيرة
» مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق وحوزة ائمة البقيع عليهم السلام تنعى اية الله الشيخ عبد الهادي الفضلي
الأربعاء أبريل 10, 2013 1:44 am من طرف وكيل الشيخ

» بيان مركز موالي الحوزة العلمية بحلوم محرم الحسين والصلاه والسلام على أشرف الخلق والمرسلين أبي القاسم محمد وعلى أله الطيبين الطاهرين عظم الله لكم الأجر بحلول محرم الحسين عليه السلام
الخميس نوفمبر 22, 2012 5:02 am من طرف وكيل الشيخ

» أكبر مكتبة برامج إسلامية وشيعية للجوال في تاريخ المنتديات العربية
الأحد أغسطس 26, 2012 11:37 pm من طرف وكيل الشيخ

» بيان مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق زكاة الفطرة
الأحد أغسطس 19, 2012 2:32 am من طرف وكيل الشيخ

» بيان مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق بحلول شهر رمضان المبارك
الأربعاء يوليو 18, 2012 7:04 pm من طرف وكيل الشيخ

» مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق تنعى سماحة الشيخ باقر شريف القرشي (ر ض)
الإثنين يونيو 18, 2012 1:42 am من طرف وكيل الشيخ

» مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق تشجب تندد تستنكر العمليات الارهابية في العراق
الخميس يونيو 14, 2012 1:53 am من طرف وكيل الشيخ

» بيان صادر من مؤسسة طلبة الحوزة العلمية في العراق(سحب الثقة عن الشعب العراقي)
السبت يونيو 09, 2012 3:24 am من طرف وكيل الشيخ

» ور الأنوار2: يحتوي على نص القرآن بخط عثمان طه، وترتيل كامل القرآن بصوت برهيزكار والمنشاوي، وعلى معجم لألفاظ القرآن مع التشكيل وامكانية البحث، وعدد من التفاسير العربية (كتفسير القمي والعياشي والميزان وشبر) وعلى بعض التفاسير الفارسية. إضافة إلى ترجمة للقرآن
الثلاثاء مايو 22, 2012 1:48 am من طرف وكيل الشيخ

سبتمبر 2017
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930 
اليوميةاليومية
التبادل الاعلاني

انشاء منتدى مجاني




شاطر | 
 

 حواري الرسول والامير أبو ذَرٍّ الغفارى ّ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
وكيل الشيخ
Admin


المساهمات : 117
تاريخ التسجيل : 04/10/2011

مُساهمةموضوع: حواري الرسول والامير أبو ذَرٍّ الغفارى ّ    الأربعاء أكتوبر 05, 2011 12:55 am

أبو ذَرٍّ الغفارى ّ
بسم الله الرحمن الرحيم
(إن الله مع الذين إتقوا * والذين هم محسنون) النحل: 128
قد اختلف في اسمه ونَسَبه اختلافاً كثيراً ، وما فى المتن هو أكثر وأصحّ ما قيل فيه ، ولكنّه مشهور بكنيته ولقبه جُنْدَب بن جُنادة ، وهو مشهور بكنيته . صوت الحقّ المدوّى ، وصيحة الفضيلة والعدالة المتعالية ، أحد أجلاّء الصحابة ، والسابقين إلي الإيمان ، والثابتين علي الصراط المستقيم(سير أعلام النبلاء : ٢ / ٤٦ / ١٠ ، الاستيعاب : ٤ / ٢١٦ / ٢٩٧٤ ، اُسد الغابة : ١ / ٥٦٣ / ٨٠٠) . كان موحِّداً قبل الإسلام ، وترفّع عن عبادة الأصنام(الطبقات الكبري : ٤ / ٢٢٢ ، حلية الأولياء : ١ / ١٥٨ / ٢٦ ، اُسد الغابة : ١ / ٥٦٣ / ٨٠٠) . جاء إلي مكّة قادماً من البادية ، واعتنق دين الحقّ بكلّ وجوده ، وسمع القرآن . عُدَّ رابعَ(المستدرك علي الصحيحين : ٣ / ٣٨٥ / ٥٤٥٩ ، الطبقات الكبري : ٤ / ٢٢٤ ، اُسد الغابة : ١ / ٥٦٣ / ٨٠٠) من أسلم أو خامسهم(الطبقات الكبري : ٤ / ٢٢٤ ، سير أعلام النبلاء : ٢ / ٤٦ / ١٠ ، اُسد الغابة : ١ / ٥٦٣ / ٨٠٠) . واشتهر بإعلانه إسلامَه ، واعتقاده بالدين الجديد ، وتقصّيه الحقّ منذ يومه الأوّل(الطبقات الكبري : ٤ / ٢٢٥ ، حلية الأولياء : ١ / ١٥٨ / ٢٦) .
وكان فريداً فذّاً فى صدقه وصراحة لهجته ، حتي قال رسول الله ½ كلمته الخالدة فيه تكريماً لهذه الصفة المحمودة العالية : "ما أظلّت الخضراء ، وما أقلّت الغبراء(الخضْرَاء : السَّماء ، والغَبْرَاء : الأرض (النهاية : ٢/٤٢)) أصدق لهجة من أبى ذرّ"( المستدرك علي الصحيحين : ٣ / ٨٥ / ٥٤٦١ ، الطبقات الكبري : ٤ / ٢٢٨ ، سير أعلام النبلاء : ٢ / ٥٩ / ١٠) .
وكان من الثلّة المعدودة التى رعت حرمة الحقّ فى خضمّ التغيّرات التى طرأت بعد وفاة النبىّ ½ (الخصال : ٦٠٧ / ٩ ، عيون أخبار الرضا : ٢ / ١٢٦ / ١) . وتفاني فى الدفاع عن موقع الولاية العلويّة الرفيعة ، وجعل نفسه مِجَنّاً للذبّ عنه ، وكان أحد الثلاثة الذين لم يفارقوا عليّاً ¼ قطّ(رجال الكشّى : ١ / ٣٨ / ١٧ ، الاختصاص : ٦) .



إسلامه
حين تناهى إلى سمع أبي ذر، نبأ ظهور النبي (صلى الله عليه وآله) في مكة ودعوته الناس إلى الإسلام عقد العزم على اللقاء به، والاستماع منه. لكنه فضل بادئ الأمر أن يرسل أخاه - أنيسا - (ومن غريب ما ورد في خبر إسلامه أيضا: أن ذئبا عدى على غنم له من جانب، فنجش عليه أبو ذر بعصاه، فتحول إلى الجانب الآخر، فنجش عليه، فقال: ما رأيت ذئبا أخبث منك؟ فأنطق الله الذئب فقال: أشر مني أهل مكة! بعث الله إليهم نبيا، فكذبوه وشتموه، فخرج أبو ذر من أهله يريد مكة.. الخ.. هكذا ورد في كتاب الواعظ م 2 ص 146) ليحمل إليه بعض أخباره، فقال له: اركب إلى هذا الوادي، واعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء! واسمع من قوله، ثم إئتني. انطلق أنيس، حتى قدم مكة، وسمع من قوله. ثم رجع إلى أبي ذر، فقال: رأيته يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بمكارم الأخلاق، وسمعت منه كلاما، ما هو بالشعر! فقال له أبو ذر ما شفيتني فيما أردت.
فتزود وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي (صلى الله عليه وآله) وهو لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل فاضطجع، فرآه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: كأن الرجل غريب. قال: نعم. قال: انطلق إلى المنزل. قال أبو ذر: فانطلقت معه، لا يسألني عن شيء ولا أسأله. فلما أصبحت من الغد، رجعت إلى المسجد، فبقيت يومي حتى أمسيت، وسرت إلى مضجعي. فمر بي علي، فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ فأقامه، وذهب به معه، وما يسأل واحد منهما صاحبه. حتى إذا كان اليوم الثالث، فعل مثل ذلك، فأقامه علي معه. ثم قال له علي (عليه السلام): ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟
قال: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني. فعلت. ففعل. فأخبره علي (عليه السلام) عنه أنه نبي، وأن ما جاء به حق، وأنه رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثم قال له: فإذا أصبحت، فاتبعني. قال: فانطلقت أقفوه، حتى دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودخلت معه، وحييت رسول الله بتحية الإسلام، فقلت: السلام عليك يا رسول الله - وكنت أول من حياه بتحية الإسلام -. فقال (صلى الله عليه وآله): وعليك السلام. من أنت؟ قلت: رجل من بني غفار. فعرض علي فأسلمت، وشهدت أن لا إليه إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارجع إلى قومك، فأخبرهم، واكتم أمرك عن أهل مكة فإني أخشاهم عليك. فقلت: والذي نفسي بيده، لأصوتن بها بين ظهرانيهم.
فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فثار إليه القوم وضربوه حتى أضجعوه. فأتى العباس، فأكب عليه وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من بني غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم، وأنقذه منهم. ثم عاد من الغد إلى مثلها، وثاروا إليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه (أعيان الشيعة ج 4 ص 522 نقلا عن الاستيعاب / باب الكنى، وفي الإصابة 4 / ص 26 - 36، وفي صحيح مسلم قريبا من ذلك). ومن طريف ما يروى عنه: أنه رأى امرأة تطوف بالبيت، وتدعو بأحسن دعاء في الأرض وتقول: أعطني كذا وكذا.. ثم قالت في آخر ذلك: يا إساف، ويا نائلة (وهما صنمان لقريش، زعم أنهما كانا من أهل اليمن، أحب أحدهما الآخر، فقدما حاجين، فدخلا الكعبة، فوجداها خلوا من كل أحد، ففجرا بها، فمسخا حجرين، فأصبح الحجاج، فوجدوهما حجرين، فوضعوهما إلى جانب ليتعظ بهما الناس كي لا يتكرر هذا العمل، ثم توالت الأيام فعبدتهما قريش كبقية الأصنام).
فالتفت أبو ذر إلى تلك المرأة، قائلا: أنكح أحدهما صاحبه! فتعلقت به، وقالت: أنت صابئ، فجاء فتية من قريش فضربوه وجاء ناس من بني بكر، فنصروه. فرجع إلى النبي، فقال: يا رسول الله، أما قريش، فلا أدعهم حتى أثأر منهم... ضربوني!! ثم طلب النبي (صلى الله عليه وآله) منه الرجوع إلى أهله قائلا إرجع إلى أهلك تجد ابن عمك قد مات، وأنه يملك مالا كثيرا، وليس له وارث فخذ ماله، وتريث وأقم عند أهلك حتى يظهر الله أمرنا. فخرج حتى أقام بعسفان (عسفان: موضع على بعد ستة وثلاثين ميلا (بين مكة والمدينة) المعجم) وكلما أقبلت عير من قريش يحملون الطعام، ينفر بهم على ثنية غزال فتلقي أحمالها، فيجمعوا الحنط، (فيقول أبو ذر لهم): لا يمس أحد حبه حتى تقولوا، لا إله إلا الله [محمد رسول الله] فمن قالها تركه وشأنه ومن لم يقلها تعرض للعقاب. وحين رجع أبو ذر إلى قومه وإذا الأمر كما قال له النبي (صلى الله عليه وآله) فأخذ المال واحتفظ به وأقام عند أهله سفيرا للإسلام حاملا إليهم مبادئ الدعوة الإسلامية. ونفذ وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدعاهم إلى الله عز وجل ونبذ عبادة الأوثان والإيمان برسالة محمد (صلى الله عليه وآله)، فكان أول من أسلم منهم أخوه أنيس، ثم أسلمت أمهما، ثم أسلم بعد ذلك نصف قبيلة غفار، وقال نصفهم الباقي: إذا قدم رسول الله المدينة، أسلمنا. جاء في صحيح مسلم: عن أبي ذر قوله: فأتيت أنيسا، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت، أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك! فأتينا أمنا. فقالت: ما بي رغبة عن دينكما! فإني قد أسلمت وصدقت. فاحتملنا (يعني حملنا أنفسنا ومتاعنا) حتى أتينا قومنا غفارا. فأسلم نصفهم. وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله المدينة، أسلمنا. فقدم رسول الله المدينة، فأسلم نصفهم الباقي. وجاءت أسلم (اسم قبيلة) فقالوا: يا رسول الله! إخوتنا، نسلم على الذي أسلموا عليه. فأسلموا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): غفار غفر الله لها. وأسلم سالمها الله (صحيح مسلم 4 / ك الفضائل ص 1922). ومجمل القول: فإن أبا ذر (رضي الله عنه) كان من المبادرين الأول لاعتناق الإسلام حتى قيل إنه رابع من أسلم، وقيل خامسهم.
قال في الاستيعاب: كان إسلام أبي ذر قديما. يقال بعد ثلاثة، ويقال: بعد أربعة، وقد روي عنه أنه قال: أنا رابع الإسلام. وقيل: كان خامسا (الاستيعاب / حاشية على كتاب الإصابة / م 1 ص 213). وقال الواقدي: وأسلم أبو ذر، قالوا رابعا، أو خامسا (الكامل 2 / 60). مع الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يأمر النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ذر (رضي الله عنه) باللحاق بقومه، ودعوتهم إلى الإسلام، إلا لأنه توسم فيه صفات الكمال، لما يتمتع به من روح عالية، وثبات لا يتزعزع، وتفان في العقيدة، فوجده أهلا لأن يقوم بدور من هذا النوع، والإسلام يمر بأدق المراحل وأخطرها. نحن نعلم أن النبي صلوات الله عليه وآله كان - في بدء رسالته المباركة - يحتاج إلى مزيد من المؤيدين والأعوان في داخل مكة، وفي خارجها. في داخل مكة، لتقوية الصف فيها، وليمنع نفسه من قريش! وفي خارج مكة، لنشر مبادئ هذا الدين الجديد الحنيف، واستقطاب أكبر عدد ممكن من الأفراد المسلمين كي ينهض بهذا الأمر جهرة وعلى الصعيد العام، وتكون لديه القوة الكافية لصد أعدائه الذين يتربصون به الغيلة ويخططون للقضاء عليه وعلى الرسالة في مهدها. ولقد آثر النبي (صلى الله عليه وآله) إيفاد أبي ذر إلى قومه بني غفار على بقائه معه، لثقته العالية بأنه سينجح في نشر الإسلام بينهم وهذا ما حصل. فقد نجح أبو ذر في ذلك، أسلم نصف قومه على يده، وأسلم النصف الباقي عند مجئ النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة كما أسلفنا. وبقي أبو ذر بينهم فترة طويلة، لم يحضر خلالها غزاة بدر ولا أحد، ولا الخندق (كما تقول الروايات)، بقي بينهم في خندق الجهاد الآخر، حيث كان يفقههم في دينهم، ويعلمهم أحكام الإسلام، وهذا جهاد يحتاج إلى عزيمة وحكمة ودراية ونفس طويل. وإن بقاؤه في قومه، وتخلفه عن الغزوات الثلاث ربما كان بإيعاز من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله). ثم قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة فصحبه إلى أن مات، ثم خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام فلم يزل بها حتى ولي عثمان ثم استقدمه عثمان [إلى المدينة] بشكوى من معاوية وأسكنه الربذة فمات فيها (معجم رجال الحديث - للسيد الخوئي ج 14 ص 164). قال تعالى: *(وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا
قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)*( سورة التوبة (122)). وهكذا قضى أبو ذر فترة بين بني قومه، ثم عاد ليصحب النبي (صلى الله عليه وآله) ويأخذ عنه العلم والمعارف والحكمة. وقد حظي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالاهتمام الكبير والعناية الخاصة. فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبتدئه بالسؤال والكلام إذا حضر، ويسأل عنه إذا غاب. فعن أبي الدرداء قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يبتدئ أبا ذر إذا حضر، ويتفقده إذا غاب (الإصابة 4 / 63، والاستيعاب ص 64). ويظهر من الأخبار أنه (صلى الله عليه وآله) كان يمازحه، كما كان هو يمازح النبي صلوات الله عليه. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مكانته الخاصة لدى النبي (صلى الله عليه وآله). فقد روي أنه قدم المدينة. فلما رآه النبي قال له: أنت أبو نملة! فقال: أنا أبو ذر.
قال (صلى الله عليه وآله): نعم، أبو ذر (الإصابة 4 / 63، والاستيعاب ص 64). وعن الصادق (عليه السلام) قال: طلب أبو ذر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقيل له إنه في حائط (بستان) كذا وكذا. فتوجه في طلبه، فوجده نائما، فأعظمه أن ينبهه. فأراد أن يستبرئ نومه من يقظته، فتناول عسيبا يابسا، فكسره ليسمعه صوته. فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرع رأسه فقال: يا أبا ذر، تخدعني. أما علمت أني أرى أعمالكم في منامي، كما أراكم في يقظتي! إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي (معجم رجال الحديث 4 / 168)!! وكان رضي الله عنه في صحبته للنبي (صلى الله عليه وآله) حريصا على اقتباس العلوم، فكان يغتنم الفرصة في ذلك، ويحدثنا هو عن نفسه، فيقول: لقد سألت النبي (صلى الله عليه وآله) عن كل شيء، حتى سألته عن مس الحصى (في الصلاة)، فقال: مسه مرة، أو دع (الغدير 8 / 312 عن مسند أحمد). وقال: لقد تركنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما يحرك طائر جناحيه في السماء، إلا ذكرنا منه علما (الاستيعاب 4 / 64). وقال: دخلت ذات يوم في صدر نهاره على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده، فلم أر في المسجد أحدا من الناس إلا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعلي (عليه السلام) جالس إلى جانبه، فاغتنمت خلوة المسجد، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أوصني بوصية ينفعني الله بها. فقال (صلى الله عليه وآله): نعم، وأكرم بك يا أبا ذر، إنك منا أهل البيت (تنبيه الخواطر 2 / 300).. وقد ذكرت وصيته بكاملها في آخر الجزء الأول من موسوعة المصطفى والعترة محمد رسول




التشيع
التشيع من صميم مدرسة الإسلام، وليس طارئا عليها، وليس أمرا جديدا بل هو أصل من أصول الإسلام، دعا إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما دعا إلى بقية أركان الدين. فليس التشيع، سوى حب أهل البيت (عليه السلام) ومودتهم والتمسك بهم. وموالاة علي (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ معالم الدين من معدنه. قال تعالى: *(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)*( سورة الشورى). هذا هو التشيع ببساطة. قال الأزهري: الشيعة، هم الذين يهوون عترة النبي (صلى الله عليه وآله)، ويوالونهم (متن اللغة 3 / مادة شيع). وقد نشأ التشيع لعلي (عليه السلام) في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أوصى المسلمين في مواطن كثيرة بالتمسك بأهل البيت (عليهم السلام) كما دعاهم إلى ولاء علي (عليه السلام) ونص على ذلك في حجة الوداع الأخيرة، حيث جاء في خطبته (صلى الله عليه وآله): معاشر المسلمين، ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: اللهم بلى. قال: من كنت مولاه، فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاده وانصر من نصره، واخذل من خذله. وقد روي هذا الحديث بطرق مختلفة، وألفاظ متغايرة، بمضمون واحد.
فقد رواه من الصحابة أكثر من مائة وعشرة صحابيا، ومن التابعين أربعة وثمانون تابعيا، ورواه من العلماء، ثلاثمائة وستون عالما (راجع كتاب الغدير ج 1 من ص 8 إلى ص 151) عدا من ألف فيه. وهذا الحديث هو المسمى بحديث الغدير، نسبة لغدير خم. وقد تمسك به الشيعة الإمامية كدليل هام في إثبات الخلافة لعلي (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بالإضافة إلى الأدلة الأخرى الكثيرة، التي سنذكرها فيما بعد. وعرف من الشيعة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) جماعة، منهم أبو ذر (رضي الله عنه)... قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني: إن لفظ الشيعة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان لقب أربعة من الصحابة، سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود الكندي، وعمار بن ياسر (الشيعة وفنون الإسلام ص 31).
من جهة أخرى، فقد ورد لفظ الشيعة شيعة علي (عليه السلام) على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) في عدة مناسبات، وما علينا الآن إلا أن نتعرض لبعض الأحاديث النبوية الشريفة المتضمنة لذلك.
1 - عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا عند النبي (صلى الله عليه وآله): فأقبل علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال رسول الله (عليه السلام): قد أتاكم أخي! قال جابر: ثم التفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة، فضربها بيده، ثم قال: والذي نفسي بيده، إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة.. ثم قال: إنه أولكم إيمانا معي، وأوفاكم بعهد الله تعالى، وأقومكم بأمر الله، وأعد لكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية. قال: ونزلت فيه: *(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)*( سورة البينة (7)) - قال: وكان أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) إذا اقبل عليهم علي (عليه السلام) قالوا: قد جاء خير البرية (فرائد السمطين: 1 / 156).
أخرج الحافظ جمال الدين الزندي، عن ابن عباس (رضي الله عنه) عنهما. إن هذه الآية لما نزلت، قال (صلى الله عليه وآله) لعلي: هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين (الصواعق المحرقة / 159)... الخ.
أخرج أحمد في المناقب أنه (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): أما ترضى أنك معي في الجنة والحسن والحسين، وذريتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا .
وأخرج الديلمي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا علي إن الله عز وجل قد غفر لك، ولذريتك، ولولدك، ولأهلك ولشيعتك، ولمحبي شيعتك .
وأخرج الطبراني عن علي (عليه السلام) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي: ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه أعداؤك غضابا مقمحين (حق اليقين 1 / 171 و205).
وأخرج ابن مردويه، عن علي (عليه السلام) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألم تسمع قول الله: *(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية)* هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الأمم للحساب، تدعون غرا محجلين .
وفي النهاية (لابن الأثير - مادة قمح): وفي حديث علي (عليه السلام) قال له النبي (صلى الله عليه وآله): ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضبا مقمحين . ثم جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الإقماح.
عن ربيع الأبرار، يروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: يا علي، إذا كان يوم القيامة، أخذت بحجزة (قوله (صلى الله عليه وآله): أخذت بحجزة الله تعالى: كناية عن التعلق والامتناع به.) الله تعالى، وأخذت أنت بحجزتي وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزتهم. فترى أين يؤمر بنا؟ (أصل الشيعة وأصولها 110 / 111).
وأما الأحاديث الأخرى التي تدعو المسلمين إلى التمسك بعلي (عليه السلام) وأهل البيت الطاهر فإن استقصاءها وذكرها يحتاج إلى وضع مجلد ضخم. لكننا نذكر بعضا منها هنا، لأجل التبرك بها من جهة، ولاطلاع القارئ الكريم على مدى ما تحمل من أهمية من جهة أخرى.
1 - روى الجويني بسنده عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سره أن يحيا حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهما وعلما، ويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي (فرائد السمطين / للجويني ج 1 ص 53).
2- وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أنس، اسكب لي وضوءا (قالSmile ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أنس، أول من يدخل عليك من هذا الباب، أمير المؤمنين (وسيد المسلمين) وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين. قال أنس: قلت: اللهم اجعله رجلا من الأنصار - وكتمته - إذ جاء علي صلوات الله عليه، فقال: من هذا يا أنس؟ فقلت: علي. فقام (صلى الله عليه وآله) مستبشرا، فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق وجه علي بوجهه.
فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله لقد رأيت صنعت شيئا ما صنعت بي من قبل؟ قال (صلى الله عليه وآله): وما يمنعني، وأنت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي. 3 - وعن أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا خاتم الأنبياء، وأنت يا علي خاتم الأوصياء إلى يوم الدين . ولفظ أبي ذر أنا خاتم النبيين، وكذلك علي خاتم الأوصياء إلى يوم الدين.
ومجمل القول: فإن الشيعة يعتقدون بأن الإمامة، لا تكون إلا بالنص من الله سبحانه وتعالى، على لسان نبيه الكريم، أو على لسان الإمام المفترض الطاعة الذي قبله، وإن الإمام لا بد وأن يكون معصوما من جميع الذنوب والرذائل، ومن السهو والخطأ والنسيان، كما لا بد وأن يكون أفضل الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله).
أبو ذر والتشيع من هذا المنطلق الواضح، يمكننا القول بأن التشيع ليس مذهبا طارئا على الإسلام، أو فكرة دخيلة عليه، بل هو من صميم الإسلام، وأصل من أصوله. نشأ في عهد النبي الأعظم، وبإيعاز منه صلوات الله عليه وآله. فهو الذي بذر هذه البذرة المباركة وتعاهدها بنفسه. إن لفظ الشيعة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يطلق على الكثير من أصحاب علي (عليه السلام) ومحبيه أبرزهم أربعة من أجلاء الصحابة، وهم سلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن عمرو الأسود ، وعمار بن ياسر، وأضيف إليهم في أواخر أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) الكثير من الصحابة، حتى أن الذين تجاهروا بالتشيع لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) والامتناع عن بيعة أبي بكر بالإضافة إلى بني هاشم، والعباس بن عبد المطلب، والزبير بن العوام وغيرهم
كان أبو ذر يغتنم الفرصة، فيدعو المسلمين ليحدثهم بما سمع عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حق أهل البيت بصورة عامة، وعلي (عليه السلام) بصورة خاصة. فمن ذلك، ما رواه الجويني بسنده، عن عباية بن ربعي، قال: بينما عبد الله بن عباس، جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ أقبل رجل متعمم بعمامة فجعل ابن عباس لا يقول، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا قال الرجل: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال ابن عباس: سألتك بالله، من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه، وقال: يا أيها الناس من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا جندب بن جنادة البدري، أبو ذر الغفاري، سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) بهاتين، وإلا فصمتا، ورأيته بهاتين، وإلا
فعميتا. يقول: علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله . أما إني صليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: (اللهم) إشهد إني سألت في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يعطني أحد شيئا، وعلي (عليه السلام) كان راكعا، فأومأ بخنصره اليمنى - وكان يتختم فيها - فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره، وذلك بعين رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما فرغ النبي (صلى الله عليه وآله) من صلاته، رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: *(رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي اشدد به أزري * وأشركه في أمري)*( سورة طه (25 - 32))، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا قال: *(سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما)*( سورة القصص (35))، اللهم، وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي، عليا أخي، أشدد به ظهري (وفي شواهد التنزيل: أشدد به أزري). قال أبو ذر: فوالله، ما استتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكلمة، حتى نزل عليه جبرئيل من عند الله، فقال: يا محمد إقرأ *(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)*( سورة المائدة (55)). وروى الجويني أيضا بسنده إلى الحافظ أبي بكر، بسنده عن كديرة الهجري. قال: إن أبا ذر أسند ظهره إلى الكعبة، فقال:
أيها الناس، هلموا أحدثكم عن نبيكم (صلى الله عليه وآله). سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي ثلاثا. لئن يكون لي واحدة منهن، أحب إلي من الدنيا وما فيها. سمعت رسول الله يقول لعلي (عليه السلام): اللهم أعنه واستعن به، اللهم انصره وانتصر به، فإنه عبدك وأخو رسولك (فرائد السمطين ج 1 ص 68). وفي المستدرك، عن حنش الكناني، أنه قال: سمعت أبا ذر يقول - وهو آخذ بباب الكعبة - أيها الناس، من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله يقول: ألا إن مثل أهل بيتي فيكم، مثل سفينة نوح من قومه، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (المستدرك للحاكم الني سابوري 3 / 150 - 151). كما قام بنفس الدور، في بث الأحاديث النبوية في المدينة والشام على الرغم من المراقبة الشديدة المفروضة من قبل الأمويين ودعاتهم في ذلك الوقت. قال اليعقوبي في تأريخه: وبلغ عثمان أن أبا ذر، يقعد في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويجتمع إلى الناس، فيحدث بما فيه الطعن عليه، وأنه وقف بباب المسجد، فقال: أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، جندب بن جنادة: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم، وآل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم محمد الصفوة من نوح، فالأول من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد. إنه شرف شريفهم واستحقوا الفضل في قوم (قومهم) هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية (أو كالشجرة الزيتونة) أضاء زيتها، وبورك زبدها. ومحمد وارث علم آدم، وما فضل به النبيون، وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه. أيتها الأمة المتحيرة، أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم، لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله، إلا وجدتم علم ذلك عندهم، من كتاب الله وسنة نبيه، فأما إذا فعلتم ما فعلتم، فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (تاريخ اليعقوبي 2 / 171). وفي الشام: كان أبو ذر يسلك نفس المسلك مع من يجتمع إليه من الناس ويحدثهم بمثل ذلك. قال اليعقوبي: وكان يجلس في المسجد - يعني في الشام - فيقول كما يقول (في المدينة) ويجتمع إليه الناس،حتى كثر من يجتمع إليه، ويسمع منه. وحتى في الربذة، منفاه الموحش المقفر، لم تصرفه آلامه وهمومه، ولا ما هو فيه من الاغتراب عن مواطن الإيمان والجهاد، والأصحاب الأخلاء. لم يصرفه ذلك ولم يشغله عن إكمال مسيرته التي بدأت خطاها في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) فظل متمسكا بمبدئه هذا، مناديا به حين تمكنه الفرصة من ذلك، فرصة اللقاء بمن يستمع إليه، ويأخذ منه. في شرح النهج، عن أبي رافع، قال: أتيت أبا ذر بالربذة، أودعه، فلما أردت الانصراف قال لي ولأناس معي: ستكون فتنة فاتقوا الله، وعليكم بالشيخ علي بن أبي طالب، فاتبعوه. والحق أن موقف أبي ذر من مبدأ التشيع كان موقفا مثاليا يجسم لنا كل معان الثبات والصمود، فما كان لتلين له عريكة فيه، ولا لتميل له قناة، لقد كان صلبا قويا، متفانيا في سبيل الحق والعقيدة، وكأنه في موقفه هذا يفسر لنا بيعته لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وأن يقول الحق ولو كان مرا. عن معاوية بن ثعلبة الليثي قال: مرض أبو ذر، فأوصى إلى علي (عليه السلام). فقال بعض من يعوده: لو أوصيت إلى أمير المؤمنين عثمان، كان أجمل لوصيتك من علي. قال: والله لقد أوصيت إلى أمير المؤمنين، حق أمير المؤمنين! والله إنه للربيع الذي يسكن إليه، ولو قد فارقكم لقد أنكرتم الناس وأنكرتم الأرض. قال: قلت: يا أبا ذر، إنا نعلم أن أحبهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحبهم إليك! قال: أجل! قلنا: فأيهم أحب إليك؟ قال: هذا الشيخ المظلوم، المضطهد حقه! يعني علي بن أبي طالب (أعيان الشيعة ج 4 ص 230). لقد منع أبو ذر عن الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقراءة بعض الآيات القرآنية من قبل عثمان، فلم يمتنع عن ذلك، وما كان هيابا للتهديدات قائلا: والله لو وضعتم الصمصامية على هذا (وأشار إلى فمه) على أن أترك كلمة سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنفذتها قبل أن يكون ذلك . وكان يخرج كل صباح، ويرى قطارا من الجمال تفد على معاوية محملة بالأموال، فينادي حول قصر معاوية بالشام ويقول أتتكم القطار تحمل النار، اللهم العن الآمرين بالمعروف التاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له، وكان يصرخ في الطرقات وهو يقول: بشر الكافرين بعذاب أليم. ولما بنى معاوية قصر الخضراء بدمشق، وقف أبو ذر على رأسه وقال: يا معاوية إن كان هذا البناء بمالك فذاك إسراف، وإن كنت بنيته بمال المسلمين فتلك خيانة، فسكت معاوية. وكان أبو ذر يقول الله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله، ولا سنة نبيه والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثرة بغير تقى وصالحا مستأثرا عليه. وكان يقف على أبواب الحاكمين سواء أكان في المدينة أو الشام ويتلو هذه الآية *(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)*( سورة التوبة (34).). كان أبو ذر يعني أولئك الذين كانوا يستقلون ببيت المال وموارد الدولة، وغنائم المجاهدين لشهواتهم، ويتجاهلون آلاف الفقراء، ممن كانوا يقاسون الفقر والجوع ويعانون الحاجة، أولئك الذين أعادوا الجاهلية ونزعاتها بأبشع صورها وأشكالها. ويحتقرون الذين اعتنقوا الإسلام من بقية الأمم ويسمونهم بالموالي، مما يشعر بتحقيرهم. أصبح إسلامهم الذي تستروا به لا يختلف عن حكم الجاهلية أو الهرقلية أو الكسروية إلا بطلاء من الطقوس، وكانوا يستعبدون الانسان باسم الإسلام. فأرسل معاوية إلى عثمان يشكوه. وقد حاول عثمان ومن ثم معاوية إغراء أبي ذر بالأموال للتنازل عن موقفه، وعدم مجاهرته بالحق، فرفض ذلك وتعرض لمختلف أنواع البلاء والعذاب، وقد تكرر ذلك مرارا فلم يفلح. منها أن بعث معاوية مع عبدين بثلثمائة دينار إلى أبي ذر فقال أبو ذر: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلته، وأن كانت صلة فلا حاجة لي فيها، وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى الناس، فقالا له: عافاك الله وأصلحك ما نرى في البيت قليلا ولا كثيرا، مما تستمتع به فقال: بلى تحت هذا البساط الذي ترونه رغيف شعير قد أتى عليه أيام، فما أصنع بهذه الدنانير: قالا: إذا قبلت هذا المال نكون أحرارا فقال: نعم أنتما تكونان حرين وأنا أصير عبدا. بعد حذف السند عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: أرسل عثمان إلى أبي ذر موليين له ومعهما مائتا دينار، فقال: لهما انطلقا إلى أبي ذر، فقولا له إن عثمان يقرؤك السلام ويقول هذه مائتا دينار فاستعن بهما على ما بك، فقال: أبو ذر وهل أعطى أحدا من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قالا لا، قال إنما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسع المسلمين، قالا له: إنه يقول من طيب مالي، وبالله الذي لا إله إلا هو ما خالطها حرام ولا بعثت بها إليك إلا من حلال، فقال: لا حاجة لي فيها وقد أصبحت يومي هذا وأنا من أغنى الناس، فقالا له: عافاك الله وأصلحك ما نرى في بيتك قليلا أو كثيرا مما تستمع به، فقال بل تحت هذا الأكاف ترون رغيف شعير وقد أتى عليه أيام فما أصنع بهذه الدنانير؟ لا والله حتى يعلم الله أني لا أقدر على قليل ولا كثير، وقد أصبحت غنيا بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وعترته الهادين المهديين الراضين المرضيين الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول إنه لقبيح بالشيخ أن يكون كذابا فرداها عليه وأعلماه أنه يقول لا حاجة لي فيها، وفيما عنده حتى ألقى الله ربي فيكون هو الحاكم فيما بيني وبينه. لقد كان أبو ذر (رحمه الله) لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان لا يملك إلا حصيرة من سعف النخل، يجلس وينام ويصلي عليها ويضع طعامه تحتها، وهو رغيف من خبز الشعير. وبعث إليه مسلمة الفهري بمائتي دينار فردها وقال: أما وجدت أهون عليك مني، حين تبعث إلي بمال؟ جاء في رواية البلاذري: قال عثمان يوما: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال؟ فإذا أيسر قضى؟ قال كعب الأحبار: لا بأس بذلك. فقال أبو ذر وكان حاضرا، يا ابن اليهوديين، أتعلمنا ديننا؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي، وأولعك بأصحابي؟ الحق بمكتبتك (المكتب: مركز تجمع كتائب الجيش الإسلامي) وكان مكتبه بالشام، حينما استأذن أبو ذر عثمان قائلا له: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا بلغ البناء سلعا، فالهرب (سلع: موضع بالقرب من المدينة)، فأذن لي أن آتي الشام فأغزو هناك، فأذن له. وهذا مما يدعم رأينا من طول بقاء أبي ذر في ثغور الشام. روى البلاذري (الغدير ج 8 ص 292 / 293 عن الأنساب 5 / 52 - 54): لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه [منها خمس إفريقيا]، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص، ثلثمائة ألف درهم، [وأعطى غيرهم من بني أمية وبني العاص]. جعل أبو ذر يقول: بشر الكانزين بعذاب أليم، ويتلو قول الله عز وجل: *(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)*. فرفع مروان بن الحكم إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر، ينهاه عما بلغه. فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله. وعيب من ترك أمر الله؟ فوالله، لئن أرضي الله بسخط عثمان، أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضاه، فغضب عثمان وتصابر.















إقامة أبي ذر في بلاد الشام
حين نستعرض سيرة الصحابي الجليل أبي ذر في كتب التاريخ وغيرها، نجد أنفسنا أمام صورة غير واضحة المعالم. فنجد الغموض يكتنف حياته كما اكتنف حياة بعض الشخصيات المماثلة له، ولعل مرد ذلك يعود إلى نوع من التعتيم الإعلامي، الذي فرضته السلطات الحاكمة حينذاك. فمثلا تجد بعض المؤرخين، كالطبري، وابن الأثير، ومن سار على هواهم، قد أهملوا التفصيل في كيفية نفي أبي ذر إلى المدينة، ومن ثم إلى الربذة، وما جرى بينه وبين عثمان، من الكلام. والذي يبحث بين طيات الكتب يجد أن أبا ذر كان قد أقام في الشام مدة طويلة. ربما بلغت العشر سنوات، تسنى له من خلالها نشر مذهب أهل البيت والتشيع لعلي (عليه السلام). قال في الاستيعاب: بعد أن أسلم أبو ذر، رجع إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى مضت، بدر وأحد، والخندق، ثم قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة، فصحبه إلى أن مات رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثم خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان، ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية، فنفاه وأسكنه الربذة، فمات بها (الاستيعاب حاشية على كتاب الإصابة م 1 ص 213).
ربما يعود سبب بقاءه في الشام إلى عدة عوامل منها: لمضايقات معينة دفعت به إلى الإقامة فيها أثناء خلافة عمر بن الخطاب، نظرا لجرأته وصراحته ، لأنه كان قد فرض الإقامة الجبرية في المدينة على كبار الصحابة، وربما وجد أن تكليفه الشرعي هو القيام بدوره الرسالي في الدعوة والتبليغ والتفقيه. أو ربما يجد المرابطة في ثغر من ثغور المسلمين والدفاع عنها واجب عيني ويؤيد ذلك. ما جاء في تاريخ ابن الأثير، قال في حوادث سنة 23 ه‍: وفيها غزا معاوية الصائفة الروم ومعه عبادة بن الصامت، وأبو ذر الغفاري، وأبو أيوب الأنصاري . وقال في حوادث سنة 28 ه‍: كان فتح قبرص على يد معاوية... إلى أن قال: ولما غزاها معاوية هذه السنة، غزا معه جماعة من الصحابة، فيهم أبو ذر الغفاري إلى آخره (الكامل ج 3 ص 77 و95). وجاء في كلام ابن البطال: وكان في جيشه - يعني معاوية - ميل إلى أبي ذر الغفاري، فأقدمه عثمان خشية الفتنة (الغدير ج 8 ص 325، عمدة القارئ للعيني ج 4 ص 291). ومن أهم ثغور المسلمين هي الشام لمجابهة الروم من جهة البحر صور وما يتبعها إلى بيروت ومنطقة جبل عامل واقعة في ضمنها. كانت إقامة هذا الصحابي الجليل في جبل عامل فقد استطاع أن يستقطب الأكثرية من الناس، يعضهم ويرشدهم، يذكرهم بأيام الله، وينوه بمقام أهل البيت (عليهم السلام) ومكانهم وفضلهم وما ورد فيهم من القرآن الكريم، وعلى لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى غير ذلك مما جلب على معاوية المتاعب، فكتب فيه إلى عثمان. ومما لا شك فيه إن أساس التشيع في جبل عامل يعود لجهاد وجهود الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري على رغم ضغوط السلطات الحاكمة على مر الزمان مما توارثه أهل هذا الجبل عن الآباء والأجداد، والثابت أن تشيعهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) كان على يده وبفضله، عندما كان مقيما بينهم. يجدر بنا في هذا المقام أن نستعرض كلمات بعض كبار الباحثين منهم: قال السيد الأمين في أعيان الشيعة: ومن المشهور أن تشيع جبل عامل كان على يد أبي ذر، وأنه لما نفي إلى الشام، وكان يقول في دمشق ما يقول، أخرجه معاوية إلى قرى الشام، فجعل ينشر فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام) فتشيع أهل تلك الجبال على يده، فلما علم معاوية، أعاده إلى دمشق، ثم نفي إلى المدينة (أعيان الشيعة ج 4 ص 225).
وقال الأستاذ الشيخ أحمد رضا: أن التشيع في بلاد الشام هو أقدم منه في كل البلاد، غير الحجاز. وهذا من العجيب، أن يقوم أول ركن، وتنتشر أول دعوة للشيعة في بلاد محكومة لأعدى الناس لهم. ثم استطرد في كلامه عن أبي ذر، ونشره مذهب [أهل البيت] التشيع في بلاد الشام فقال: ثم كان يخرج إلى الساحل، فكان له مقام في قرية الصرفند القريبة من صيدا، ومقام آخر في قرية جس، المشرفة على غور الأردن، وكلتاهما من قرى جبل عامل، والمقامان إلى الآن معروفان. وعقب الأمير شكيب أرسلان بقوله ملخصا، أما كون التشيع في جبل عامل هو أقدم منه في كل قطر عدى الحجاز مؤكد، وأن الشيعة كانت تتمسك بحبال التقية خوفا على أنفسهم، ولذا تجد المؤرخين يتجانفون عن نسبة علماء الشيعة إلى التشيع، وحادثة الشيخ بهاء الدين العاملي مشهورة مع علماء السنة في الشام مما حدى به إلى الهجرة إلى إيران بوقتها. ومما لا شك فيه، أن أبا ذر هو أول من بذر هذه البذرة الطيبة في جبل عامل بفضل إقامته الطويلة فيها وأن معاوية حين خشي منه أن يفسد الناس عليه، جلبه إلى دمشق ليكون تحت رقابته. ورقابة جلاوزته. وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها، وبعث إليه معاوية بثلاث مائة دينار، فقال: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا؟ قبلتها! وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها. وبعث إليه مسلمة الفهري بمائتي دينار، فقال: أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إلي بمال؟ وردها. وبنى معاوية قصر الخضراء بدمشق، فقال: يا معاوية، إن كانت هذه الدار من مال الله؟ فهي الخيانة، وإن كانت من مالك؟ فهذا الإسراف. فسكت معاوية، وكان أبو ذر يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله، ولا سنة نبيه، والله إني لأرى حقا يطفا، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه. فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: أن أبا ذر مفسد عليك الشام، فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة. فكتب معاوية إلى عثمان فيه. وجاء في شرح النهج: عن جلام بن جندل الغفاري قال: كنت غلاما لمعاوية على قنسرين والعواصم، في خلافة عثمان، فجئت إليه أسأله عن حال عملي، إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار، تحمل النار! اللهم العن الآمرين بالمعروف، التاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له. فازبأر (ازبأر: غضب) معاوية، وتغير لونه وقال: يا جلام أتعرف الصارخ؟ فقلت: اللهم لا.
قال: من عذيري من جندب بن جنادة! يأتينا كل يوم، فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت! ثم قال: أدخلوه علي. فجئ بأبي ذر بين قوم يقودونه، حتى وقف بين يديه، فقال له معاوية: يا عدو الله وعدو رسوله! تأتينا في كل يوم، فتصنع ما تصنع! أما إني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان، لقتلتك، ولكني أستأذن فيك. قال جلام: وكنت أحب أن أرى أبا ذر، لأنه رجل من قومي، فالتفت إليه، فإذا رجل أسمر ضرب (ضرب: الخفيف اللحم) من الرجال، خفيف العارضين، في ظهره جنأ (الجنأ: يقال جنئ، إذا أشرف كاهله على ظهره حدبا) فأقبل على معاوية وقال:
ما أنا بعدو لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله. أظهرتما الإسلام، وأبطنتما الكفر. ولقد لعنك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا عليك مرات ألا تشبع. سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا ولي الأمة الأعين، الواسع البلعوم، الذي يأكل ولا يشبع، فلتأخذ الأمة حذرها منه. فقال معاوية: ما أنا ذاك الرجل. قال أبو ذر: بل أنت ذلك الرجل، أخبرني بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعته يقول - وقد مررت به -: اللهم العنه، ولا تشبعه إلا بالتراب.. الخ.









نكير أبي ذر
كان نكير أبي ذر، على الذين يكتنزون الذهب والفضة من أموال المسلمين من غير حلة، ولا ينفقونها في سبيل الله، ويبشرهم بعذاب أليم، أمثال عثمان بن عفان، ومروان بن الحكم، ومعاوية، وعبد الرحمان بن عوف، وزيد بن ثابت، وطلحة بن عبيدة، هؤلاء الذين اكتسبوا هذه الأموال بطرق مشبوهة وغير مشروعة، سواء كانت من بيت مال المسلمين أو غيره. أنكر عليهم لاكتسابها من غير وجه شرعي ولم يؤدوا المفترض حقوقه إلى المستحقين، ولم يوجه نكيره على غيرهم من أهل اليسار من أقرانهم ومعاصريهم، لأنهم اكتسبوها من حلها وأدوا حقوقها، بل أكثر من ذلك، كقيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن جعفر الطيار، وحكيم بن حزام، وغيرهم. ولما رأى معاوية أن أبا ذر لا يكف عن ذلك ولا يستطيع الوقوف بوجهه كتب فيه إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك.
فكتب عثمان إلى معاوية: أن أحمل جندبا إلي على أغلظ مركب، وأوعره، فوجه به مع من سار به الليل والنهار، وحمله على شارف (الشارف: الناقة المسنة) ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد. دخوله على عثمان وفي رواية الواقدي: أن أبا ذر لما دخل على عثمان، قال له: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب! فقال أبو ذر: أنا جندب، وسماني رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله، فاخترت أسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي سماني به على إسمي. فقال له عثمان: أنت الذي تزعم إنا نقول: يد الله مغلولة، وإن الله فقير ونحن أغنياء!
فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا، لأنفقتم مال الله على عباده، ولكني أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا، جعلوا مال الله دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا . فقال عثمان لمن حضر: أسمعتموها من رسول الله؟ قالوا: لا. قال عثمان: ويلك يا أبا ذر! أتكذب على رسول الله؟ فقال أبو ذر لمن حضر: أما تدرون أني صدقت!؟ قالوا: لا والله، ما ندري. فقال عثمان: ادعوا إلي عليا. فلما جاء قال عثمان لأبي ذر: أقصص عليه حديثك في بني العاص. فأعاده. فقال عثمان لعلي (عليه السلام): أسمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال علي (عليه السلام): سمعت رسول الله يقول: ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، من ذي لهجة أصدق من أبي ذر . فقال من حضر: أما هذا، فسمعناه كلنا من رسول الله. فقال أبو ذر: أحدثكم أني سمعت هذا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتتهموني! ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد (شرح النهج 8 ص 257 - 258 - 259 وج 3 منه). وجاء في رواية الواقدي، عن صهبان مولى الأسلميين. قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان. فقال له: أنت الذي قلت وفعلت!؟ فقال أبو ذر: نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك، فاستغشني! قال عثمان: كذبت، ولكنك تريد الفتنة، وتحبها، قد أنغلت (النغل: الافساد بين القوم) الشام علينا.
فقال أبو ذر: اتبع سنة صاحبيك، لا يكن لأحد عليك كلام. فقال عثمان: مالك وذلك، لا أم لك! قال أبو ذر: والله ما وجدت لي عذرا، إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه، أو أحبسه، أو أقتله، فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الإسلام. فتكلم علي (عليه السلام) - وكان حاضرا - فقال: أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون: *(وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)*( سورة غافر (28)). فأجابه عثمان بجواب غليظ. وأجابه علي (عليه السلام) بمثله. وجاء في مروج الذهب:
وكان في ذلك اليوم قد أتي بتركة عبد الرحمان بن عوف الزهري من المال، فنثرت البدر، حتى حالت بين عثمان وبين الرجل الواقف فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمان خيرا، لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون. فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين. فشال أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: ما أنت وذاك يا ابن اليهودي، تقول لرجل مات وترك هذا المال إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: ما يسرني أن أموت، وأدع ما يزن قيراطا (مروج الذهب 2 / 340). قال الواقدي: ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر أو يكلموه، فمكث كذلك أياما.
ثم أتي به، فوقف بين يديه، فقال أبو ذر: ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورأيت أبا بكر وعمر! هل هديك كهديهم؟ أما إنك لتبطش بي بطش جبار! فقال عثمان: أخرج عنا من بلادنا.. إلى آخر الرواية (شرح النهج 8 / 259 - 260). وفي مروج الذهب: فقال له عثمان: وار عني وجهك. فقال: أسير إلى مكة. قال: لا والله؟ قال فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: إي والله. قال فإلى الشام، قال: لا والله. إنما جلبتك من الشام لما أفسدتها أفأردك إليها؟ [كلا]. قال: البصرة. قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان.
قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك. ولو تركتني في دار هجرتي، ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني، حيث شئت من البلاد. قال: فإني مسيرك إلى الربذة. إلى البادية، قال أبو ذر أصير بعد الهجرة أعرابيا؟ قال: نعم. قال: الله أكبر، صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أخبرني بكل ما أنا لاق. قال عثمان: وما قال لك؟ قال: أخبرني بأني أمنع عن مكة، والمدينة، وأموت بالربذة، ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز (مروج الذهب 2 / 340 - 341).
نفيه إلى الربذة جاء في شرح النهج، عن ابن عباس، قال: لما أخرج أبو ذر إلى الربذة، أمر عثمان، فنودي في الناس: ألا يكلم أحد أبا ذر، ولا يشيعه وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به. ف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abd1990.darbalkalam.com
 
حواري الرسول والامير أبو ذَرٍّ الغفارى ّ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الرسمي للشيخ عبدالعظيم سرحان القنبري الفاطمي :: الفئة الأولى :: قسم السيرة-
انتقل الى: